كيف نرتقي بإعلامنا في زمن الحرب الناعمة؟


أكثر ما يُؤخذ على التجربة المغربية اليوم هو محدودية الذراع الإعلامي الوطني في مواجهة تسونامي دعائي ممنهج تقوده جهة معادية، سخّرت له كل الأدوات الممكنة: مواقع إلكترونية، قنوات تلفزية، مؤثرين، صحفيين، أكاديميين، رياضيين، بل وحتى منابر المساجد والجامعات والمدارس، بهدف واحد لا غير: تشويه صورة المغرب وضرب مصداقيته في الداخل والخارج، وفي كل زمان ومكان.
نحن اليوم أمام حرب إعلامية شاملة، لا تعتمد فقط على الخبر، بل على السردية، والعاطفة، والتكرار، وصناعة صورة “الضحية”، في مقابل احتشام واضح في الأداء الإعلامي المغربي، يغلّب منطق التهدئة والترفع والمهادنة، وهو خيار أخلاقي في جوهره، لكنه في زمن التضليل المنهجي يترك الساحة فارغة أمام الإشاعة والكذب والبهتان، ويُسلّم العقول المحلية والدولية لرواية واحدة تُعاد وتُلوك بلا مساءلة.
إننا في حاجة ملحّة إلى إعلام استراتيجي، لا يكتفي بردود الفعل، بل يصنع المبادرة، ويؤطر الوعي، ويفهم منطق الصراع الحديث. نحتاج إلى قنوات إذاعية وتلفزية تقطع مع الاستسهال، ومع حصر البرمجة في الترفيه المعزول عن السياق، لتستثمر في إنتاج المعرفة، والنقاش، والتحليل، وصناعة جيل واعٍ قادر على المناظرة والمرافعة والدفاع عن قضاياه بثقة وحُجّة.
نحتاج إلى جيل إعلامي يعرف خبث الخصوم ومكرهم، ويُدرك أن الصراع لم يعد عسكريًا فقط، بل لغويًا، رمزيًا، وثقافيًا. جيل يعتز بهويته، ويتواصل مع الآخر بلغته دون عقدة، لا بدافع التبعية أو الهوس بالآخر، بل من موقع الندية والوعي. نتقن لغات العالم، نعم، لكن من موقع تامغرابيت الواضحة والصريحة، لا من موقع الذوبان وفقدان البوصلة.
لقد علمتنا التجارب درسًا قاسيًا ينبغي ألا يُنسى:
لا ضمان إلا في الوحدة الوطنية، ولا قوة دون النخوة والعزة والكرامة.
من احترم ذاته احترمه الآخرون، ومن فرّط في كرامته استُبيحت صورته وروايته.
وتلك الأمثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون.