
يتكرر في كثير من المساجد، خاصة يوم الجمعة، مشهد يثير جدلاً بين المصلين: سجاجيد أو مصاحف أو قطع قماش توضع في الصفوف الأولى قبل وقت الصلاة بمدة طويلة لحجز المكان لصاحبها، بينما يجد مصلون آخرون أنفسهم مضطرين للبحث عن مكان في الخلف رغم حضورهم المبكر. هذا السلوك يطرح سؤالاً فقهياً متجدداً: هل يجوز حجز أماكن الصلاة داخل المسجد، سواء في صلاة الجمعة أو في باقي الصلوات؟و
أجمع الفقهاء على قاعدة أساسية في آداب المساجد، وهي أن المسجد حق مشترك بين المسلمين، ولا يملك أحد فيه مكاناً دائماً. والأصل الشرعي أن من سبق إلى مكان فهو أحق به ما دام جالساً فيه.
وقد استدل العلماء بحديث النبي ﷺ:
«لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا»، وهو حديث يدل على أن السبق الحقيقي يكون بالحضور الفعلي لا بحجز المكان.و
عند مراجعة آراء المذاهب الإسلامية الأربعة، يظهر أن بينها تقارباً كبيراً في هذه المسألة.
المالكية يرون أن حجز المكان في المسجد بوضع سجادة أو متاع ثم الانصراف غير جائز، لأن المسجد ليس ملكاً لأحد، لكن من قام لحاجة يسيرة كالوُضوء بنية الرجوع يبقى أحق بمكانه.
الحنفية يقررون أن الأحق بالمكان هو من حضر إليه أولاً، وأن وضع شيء لحجز المكان مع الغياب الطويل غير مستحب، ويجوز لغيره الجلوس فيه.
الشافعية يذهبون إلى أن السبق يكون بالحضور، وليس بوضع متاع، وبالتالي لا يثبت الحق لمن غادر المكان مدة طويلة.
الحنابلة يميزون بين الغياب القصير للحاجة، فيبقى صاحبه أحق بمكانه، وبين الغياب الطويل الذي يسقط هذا الحق. و
تظهر هذه الإشكالية بشكل أكبر يوم الجمعة، إذ يعمد بعض المصلين إلى وضع سجاداتهم في الصفوف الأولى قبل الخطبة بوقت طويل ثم يغادرون المسجد، وهو ما يراه كثير من العلماء مخالفاً لروح العدل والمساواة التي ينبغي أن تسود بيوت الله.
ويؤكد عدد من الفقهاء أن الأولى ترك هذا السلوك لأنه قد يسبب نزاعات بين المصلين، كما أنه يحرم من حضر مبكراً فعلاً من حقه في الصفوف المتقدمة.
