مقالع الرمال تُهدد الدواوير: خطر بيئي وصحي يزحف بصمت على الحقول والسكان

تتزايد مخاوف ساكنة الدواوير المجاورة لمواقع استخراج الرمال والأحجار من التداعيات البيئية والصحية والفلاحية لهذا النشاط، في ظل شكاوى متكررة من انتشار الغبار، وتراجع منسوب مياه الآبار، وتضرر المزروعات، وارتفاع وتيرة مرور الشاحنات الثقيلة وسط التجمعات السكنية. ويؤكد متتبعون أن المقالع، حين تُقام قرب الحقول والمساكن دون احترام صارم للضوابط، تتحول من مورد اقتصادي إلى مصدر تهديد مباشر للتوازن الطبيعي وجودة عيش السكان.
وفي هذا السياق، برزت إلى الواجهة أحداث دوار أولاد الرامي التابع للجماعة الترابية سيدي عيسى بن سليمان بإقليم قلعة السراغنة، والتي أعقبت تنفيذ حكم قضائي مرتبط بمقلع للأحجار، وانتهت بإصابة عدد من عناصر القوة العمومية. وقد قام عامل الإقليم، سمير اليزيدي، بزيارة ميدانية لاحتواء التوتر، فيما طلبت المصالح المختصة إعداد تقرير مفصل يرصد ملابسات الواقعة ومدى احترام المساطر القانونية والإدارية المرتبطة بالترخيص، مع ترتيب المسؤوليات المحتملة.و يحذر
خبراء البيئة من أن الحفر العميق وإزالة الطبقة السطحية للتربة يؤديان إلى فقدان خصوبتها لسنوات طويلة، كما أن الاهتزازات والتفجيرات تغيّر البنية الجيولوجية للمكان، ما ينعكس سلباً على استقرار الأراضي المجاورة. ويُسجل كذلك تأثير مباشر على الفرشة المائية، حيث يلاحظ السكان جفاف بعض الآبار وتراجع قدرة السقي، بالتوازي مع انتشار غبار دقيق يغطي الأشجار والمزروعات ويضعف عملية التمثيل الضوئي.و من جهتهم
الفلاحون يؤكدون أن تراكم الأتربة على الأوراق والثمار يخفض مردودية الإنتاج، ويؤثر على جودة الخضر والفواكه. كما أن المواشي تتأثر بشرب مياه قد تختلط بالشوائب، أو باستنشاق الغبار المتطاير، ما ينعكس على صحتها وإنتاجيتها. ويضيف متضررون أن قيمة الأراضي الفلاحية القريبة من المقلع تنخفض بشكل ملحوظ بسبب هذه الأضرار.
كما أن
أطباء محليون يسجلون تزايد حالات الحساسية وأمراض الجهاز التنفسي والتهابات العيون والجلد في المناطق المحاذية للمقالع، إضافة إلى الضغط النفسي الناتج عن الضجيج المتواصل. كما يشكل مرور الشاحنات الثقيلة وسط الدواوير خطراً على سلامة الأطفال والمارة، ويؤدي أحياناً إلى تشققات في المنازل بفعل الاهتزازات.
من الجهة القوانين المنظمة لقطاع المقالع فإنها تنص على ضرورة إنجاز دراسة التأثير على البيئة، واحترام مسافة الأمان عن الساكنة والضيعات، والالتزام بدفتر التحملات الذي يفرض تقليص الغبار والضجيج وإعادة تهيئة الموقع بعد الاستغلال. غير أن فعاليات محلية تشير إلى أن الإشكال لا يكمن في النصوص، بل في ضعف التتبع والمراقبة، وعدم التقيد الصارم بالشروط التقنية.و
حين تتراكم الأضرار البيئية والصحية دون حلول ملموسة، يتحول المقلع إلى بؤرة توتر اجتماعي، وتتعالى أصوات الاحتجاج، كما وقع في دوار أولاد الرامي. وقد دخلت هيئة حقوقية على خط القضية مطالبة بتحقيق نزيه وشفاف، في وقت قررت فيه النيابة العامة إيداع ثلاثة أشخاص السجن ومتابعة رابع في حالة سراح مقابل كفالة، على خلفية الأحداث.و
تُظهر خلاصة هذه الوقائع أن استغلال الرمال والأحجار قرب الدواوير، إذا لم يُحاط برقابة بيئية صارمة واحترام فعلي للمساطر، قد يتحول إلى تهديد للماء والهواء والزراعة وصحة الإنسان، بل وإلى شرارة احتقان اجتماعي. وبين الحاجة إلى الموارد الطبيعية وحق الساكنة في بيئة سليمة، يظل التوازن مسؤولية مشتركة تقتضي الشفافية والمحاسبة والالتزام الصارم بالقانون.