ساكنة المكانسة بين صمت الأمس وصرامة اليوم

في محيط المكانسة التابعة لـ مقاطعة عين الشق، تتجدد أسئلة الساكنة مع كل عملية هدم تطال منازل شُيّدت على مرأى ومسمع من الجميع. سؤال بسيط في ظاهره، عميق في مضمونه: كيف بُنيت هذه البيوت لسنوات دون تدخل، ثم اعتُبرت فجأة «بناءً عشوائيًا»؟
كيف بدأت الحكاية؟
بحسب شهادات متطابقة من السكان، تعود البداية إلى بيع بقع أرضية بعقود عرفية داخل أراضٍ فلاحية أو غير مُحفظة. المشترون اعتبروا أنفسهم مالكين بحسن نية، وشرعوا في البناء تدريجيًا. لم تكن الأشغال سرّية؛ مواد البناء تدخل علنًا، والورشات قائمة، والبيوت ترتفع سنة بعد أخرى.
خلال تلك السنوات، لم تُسجَّل تدخلات حازمة توقف الأشغال. هذا الصمت فُسِّر لدى السكان كتسامح ضمني، وزادته بعض الوعود الشفوية — كما يروي السكان — من منتخبين محليين بأن «الوضعية ستُسوّى لاحقًا». ومع مرور الوقت، ترسّخ الاعتقاد بأن الأمر مسألة وقت فقط قبل التسوية.
الماء والكهرباء… علامة اطمئنان
حصول عدد من المنازل على عدادات الماء والكهرباء عزّز شعورًا عامًا بأن الدولة «تعترف» بالأمر الواقع. قانونيًا، لا تُعد هذه الخدمات ترخيصًا بالبناء، لكن اجتماعيًا كانت بمثابة طمأنة قوية دفعت مزيدًا من الأسر إلى الاستقرار والاستثمار في منازلها.
ومع تغيّر مقاربات ضبط التعمير أو صدور تصاميم تهيئة جديدة، تحرّكت السلطة لتطبيق القانون بصرامة، واعتُبرت تلك البنايات «غير مرخّصة». بالنسبة للإدارة، المعيار واضح: لا رخصة بناء ولا وضعية عقارية سليمة. بالنسبة للساكنة، السؤال مؤلم: لماذا لم يتم إيقاف البناء منذ البداية؟
مما جعل الساكنة
تطرح اليوم زاوية أخرى للنقاش تتعلق بالمواسم الانتخابية. فالأحياء التي نمت في تلك الفترة كانت خزّانًا انتخابيًا مهمًا. ويتساءل السكان عن المسؤولية الأخلاقية لمن طرق أبوابهم طلبًا للأصوات في وقت كان البناء يتم فيه علنًا، دون أن تُثار التحذيرات نفسها التي تُرفع اليوم بوجههم.
وبما أن
القانون واضح في اشتراط رخصة البناء وسلامة الوضعية العقارية. لكن الواقع الاجتماعي يُظهر مسارًا مختلفًا: تغاضٍ طويل، ووعود غير موثّقة، وخدمات أساسية عزّزت الثقة، قبل أن تأتي لحظة الحسم. هنا يتولّد الشعور بالغبن، ليس لأن القانون طُبّق، بل لأنه طُبّق متأخرًا بعد أن استقر الناس لسنوات.
السكان المتضررون يطالبون اليوم بمقاربة منصفة تأخذ بعين الاعتبار حسن النية وطول المدة، عبر:
إحصاء دقيق للمتضررين،
تسوية اجتماعية عادلة (إعادة إسكان أو تعويض)،
وتوضيح رسمي يشرح للرأي العام كيف تُركت الأمور تصل إلى هذا الحد.