نبذة عن واقع “مهنة المتاعب” في زمن الحروب

ليس من السهل أن تكون صحفياً حين يفرّ الناس من المكان الذي تتجه أنت إليه.
وليس من السهل أكثر أن تحمل كاميرتك أو دفترك، فيما يحمل الآخرون حقائب النزوح.
الصحفي في مناطق النزاع لا يبحث عن بطولة، ولا يطارد مغامرة. هو فقط يؤدي وظيفة يعرف أنها قد تضعه في مرمى الخطر في أي لحظة. مع مرور الأيام، لا يتعود على الحرب بقدر ما يتعلم كيف يعيش معها، كيف ينام على وقع الانفجارات، وكيف يميّز بين أصوات القذائف كما يميز الناس بين أصوات المطر والريح.


في الميدان، لا تبدو الحرب كما في نشرات الأخبار. ليست أرقاماً ولا خرائط ولا بيانات عسكرية. هي وجوه نازحين، قصص أمهات، خوف أطفال، وصمت ثقيل في عيون من فقدوا كل شيء. الصحفي هناك لا ينقل فقط الحدث، بل يحتكّ بإنسانية مثخنة بالجراح، ويصبح شاهداً على تفاصيل لا تصل إلى المشاهد إلا بعد أن تمر عبر قلبه أولاً.
ما يعيشه مهنيّو الإعلام في هذه الظروف يتجاوز حدود العمل المهني. إنه اختبار يومي للأعصاب، وللقدرة على التماسك، وللحياد العاطفي أمام مآسٍ لا يمكن أن تكون محايداً تجاهها إنسانياً. ومع ذلك، عليهم أن يظلوا مهنيين، دقيقين، وأن يقدّموا الرواية كما هي، لا كما يشعرون بها.
كثير منهم يغادرون بلدانهم بحثاً عن جبهات مشتعلة، لأن الحقيقة هناك. وبعضهم لا يعود. سقط صحفيون كثر ضحايا لأنهم كانوا في المكان الذي يجب أن يكونوا فيه: ينقلون الصورة، يوثقون اللحظة، ويكتبون للتاريخ فصوله القاسية.
بين الضربات، والمقابلات المباشرة، والتنقل بين مناطق خطرة، يعيش الصحفي صراعاً داخلياً صامتاً: هل يستحق الخبر كل هذا القلق الذي يزرعه في قلوب أسرته؟ لكنه يعود في كل مرة إلى قناعة واحدة: أن ما يقوم به ليس خياراً شخصياً بقدر ما هو التزام مهني وأخلاقي تجاه الحقيقة.
في المدن التي أنهكتها الحروب، يلاحظ الصحفي مفارقة غريبة: الحياة تستمر على بعد أمتار من الدمار. مقاهٍ تفتح أبوابها، موسيقى خافتة، وناس يحاولون أن يتشبثوا بيوم عادي وسط واقع استثنائي. هناك يفهم أن البشر يملكون قدرة مذهلة على التكيّف، حتى مع أقسى الظروف.
“مهنة المتاعب حقيقة يومية يعيشها الصحفيون ف الميدان. هجرة دائمة نحو الخطر، مخاطرة محسوبة أحياناً وغير محسوبة في أحيان أخرى، وضريبة قد تكون الحياة نفسها.
ومع ذلك، يستمرون.
لأنهم يعرفون أن ما لا يُنقل… قد لا يُعرف.
وأن ما لا يُوثّق… قد يُنسى.