المحجّ الملكي بين مشروعية المشروع وكرامة التنفيذ

تعيش أحياء من الدار البيضاء، على وقع عمليات هدم وإخلاء متسارعة في إطار تنفيذ مشروع “المحجّ الملكي”. مشروعٌ يعود في جذوره إلى أواخر الثمانينيات، ويُقدَّم رسمياً باعتباره ورشاً حضرياً لإعادة تأهيل المجال التاريخي وربطه بمحيطه العمراني الحديث. غير أن ما يجري ميدانياً كشف فجوة مؤلمة بين مشروعية المشروع وإحساس السكان بكرامة التنفيذ.


المشكل اليوم لا يطرحه المواطنون في فلسفة المشروع ولا في أهدافه العمرانية، بل في طريقة تنزيله: إشعارات قصيرة، إخلاءات مستعجلة، هدم محلات فوق بضائعها، وأسر تجد نفسها بين ليلة وضحاها مطالبة بالبحث عن سقف بديل في سوق كراء ملتهب، وأطفال يُنقلون قسراً من محيطهم الدراسي والاجتماعي.
قانونياً، تستند مثل هذه العمليات إلى ترسانة واضحة:
القانون 7.81 المتعلق بنزع الملكية لأجل المنفعة العامة، والقانون 12.90 المتعلق بالتعمير، والقانون 94.12 المتعلق بالبنايات الآيلة للسقوط.


هذه القوانين تمنح الإدارة صلاحيات واسعة، لكنها في المقابل تفرض شروطاً صارمة: إعلان المنفعة العامة، الإشعار الكتابي، المهلة المعقولة، والتعويض العادل والمسبق.
وهنا تتجمع علامات الاستفهام: حين يُطلب الإفراغ قبل اتضاح التعويض، وحين يكون الإشعار شفوياً أو قصير الأمد، وحين لا يُمكَّن التاجر من نقل نشاطه أو حماية أصله التجاري، فإن الإشكال لا يعود في “شرعية الهدم”، بل في شرعية المسطرة.
الدستور بدوره واضح. الفصل 31 يضمن الحق في السكن اللائق، والفصل 35 يحمي الملكية الخاصة ولا يجيز نزعها إلا وفق القانون وبمقابل تعويض، والفصل 154 يُلزم الإدارة بالإنصاف والشفافية. كما أن التوجيهات المتكررة لجلالة الملك محمد السادس خلال السنوات الماضية شددت على أن الإنسان هو جوهر السياسات العمومية وأن كرامته فوق كل اعتبار.
من هنا، يتضح أن جوهر الاحتقان ليس رفضاً للتنمية، بل خوفاً من أن تُنجَز التنمية على حساب الإنسان بدل أن تكون لأجله.
الأخطر أن الخلط بين حالتين قانونيتين مختلفتين يربك الفهم:
فإذا كان الهدم مبرَّراً بخطر داهم (بناية آيلة للسقوط)، فالمسطرة استعجالية ومفهومة. أما إذا كان ضمن مشروع تهيئة حضرية، فالمسطرة ليست استعجالية وتفترض المرور عبر نزع الملكية والتعويض قبل التنفيذ. الخلط بين المسارين يُضعف الثقة ويُغذي الشعور بالحيف.
ثم إن القانون لا يحمي السكن فقط، بل يحمي أيضاً الأصل التجاري. محلٌّ اشتغل فيه صاحبه لعقود ليس مجرد جدران، بل قيمة اقتصادية وزبناء وسمعة. هدمه دون تمكين صاحبه من ترتيب انتقاله أو تعويضه عن خسارته، يفتح باب نزاعات قضائية ويترك جراحاً اجتماعية عميقة.
إن ما يُسجَّل اليوم في بعض أزقة المدينة القديمة ليس مجرد ورش عمراني، بل اختبار حقيقي لقدرة الإدارة على التوفيق بين سلطة القانون وروح الدستور.من بعض الشهادات التي تعد بالألاف هناك تدوينة تجمع بين الحق و من يريدون استغلال الاوضاع لإثارت الفوضى ، حيث كتب صاحبها:
« أتابع بقلق بالغ مظاهر اليأس التي تعيشها فئات واسعة من شعبنا جراء هدم أحياء بكاملها دون بدائل مقنعة، بما يمس كرامة المواطن التي ما فتئ جلالة الملك محمد السادس نصره الله يؤكد على صونها على مدى 27 عاماً. إن ما يقع يفرض قول كلمة حق: هناك مسؤولون يسيئون لصورة الوطن ومؤسساته بشكل مرفوض مع سبق الإصرار والترصد. سنعود للموضوع بحول الله وقوته. عاش الوطن خالداً ودام العز لقائده ولا نامت أعين الجبناء. عاش الملك وليلة جمعة مباركة.»
نجيب الأضادي – باحث ومدون وكاتب رأي
هذا الصوت، وغيره من الأصوات، يعكس حالة شعورية آخذة في الاتساع. وهي حالة كان يمكن تفاديها لو اقترنت سرعة التنفيذ بسرعة موازية في التواصل، والتعويض، وتأمين البدائل.
إن المحجّ الملكي مشروع، لكن التنفيذ لا يكتمل قانونياً وأخلاقياً إلا باحترام الكرامة الإنسانية: تعويض واضح ومسبق، إشعار معقول، حماية للتجار، وتواصل إداري يشرح ويقنع بدل أن يفاجئ ويُربك.
فالتنمية التي تُنجز بثقة المواطن تدوم، أما التي تُنجز على حساب طمأنينته فتُخلّف وراءها شعوراً يصعب ترميمه.