
يشكل ملف الاستيراد بالمغرب واحدا من أكثر الملفات الاقتصادية تعقيدا بالنسبة للتجار والمهنيين، خاصة بالنسبة للفاعلين بأسواق كبرى مثل درب عمر، الذين يعتمد نشاطهم بشكل كبير على استيراد السلع والمنتجات من الأسواق الأوروبية والآسيوية لتلبية حاجيات السوق الوطنية. وفي ظل التحولات الاقتصادية العالمية وتشديد المراقبة الجمركية وتزايد القيود المرتبطة بالعلامات التجارية والمواصفات التقنية، أصبحت مجموعة من الإكراهات تفرض نفسها بقوة على المهنيين، ما يستدعي حلولا عملية ومتوازنة تحافظ على حقوق الدولة وتحفز في الوقت نفسه الاستثمار والتجارة.
وفي هذا السياق، يكتسي اجتماع العمل الذي عقده حسان بركاني مع ممثلي تجار ومهنيي درب عمر أهمية خاصة، باعتباره فتح نقاشا مباشرا حول أبرز المشاكل التي تعيق انسيابية عمليات الاستيراد، وكشف عن الحاجة الملحة إلى إصلاحات إدارية وقانونية تواكب التطورات الاقتصادية الحالية.

ومن بين أبرز الإشكالات المطروحة، طول مدة المراقبة بالموانئ والإجراءات الجمركية المعقدة، وهو ما يؤدي في كثير من الأحيان إلى تأخر خروج البضائع وتكبيد المستوردين مصاريف إضافية مرتبطة بالتخزين والأرضية، خاصة بالنسبة للمواد الموسمية التي ترتبط بفترات زمنية محددة كالأعياد والمواسم التجارية. فالتاجر الذي يستورد سلعا موجهة لفترة معينة قد يجد نفسه أمام خسائر مباشرة إذا لم تصل البضاعة إلى الأسواق في الوقت المناسب.
ولمعالجة هذا الإشكال، يرى مهنيون أن الحل يكمن في اعتماد نظام رقمي متطور لتدبير عمليات المراقبة والتصريح الجمركي، مع تسريع مساطر الفحص بالنسبة للسلع القادمة من شركات ومصانع معروفة تحترم المعايير الدولية. كما يمكن اعتماد مبدأ “المستورد الموثوق” الذي يمنح امتيازات للمقاولات التي تحترم القوانين بشكل دائم، بما يسمح بتقليص مدة المراقبة دون المساس بحقوق الجمارك أو سلامة المستهلك.

إشكال آخر لا يقل أهمية يتعلق بالعلامات التجارية الدولية، حيث يجد عدد من المستوردين أنفسهم أمام عراقيل قانونية بسبب تسجيل بعض العلامات بالمغرب من طرف جهات أخرى، رغم أن المنتجات يتم اقتناؤها بشكل قانوني من شركات أجنبية أصلية. هذا الوضع يخلق نوعا من التضارب القانوني ويؤثر سلبا على المنافسة التجارية.
ويرى مختصون أن معالجة هذا الملف تتطلب مراجعة الإطار القانوني المنظم لحماية العلامات التجارية، بما يضمن التوازن بين حماية الملكية الفكرية ومنع الاحتكار التجاري غير المشروع، مع توضيح أكبر لمسألة “الاستيراد الموازي” الذي تعتمد عليه عدة اقتصادات عالمية ويسمح باستيراد منتجات أصلية خارج القنوات الحصرية التقليدية.
كما يشتكي عدد من المستوردين، خصوصا في قطاع العطور ومواد التجميل، من تكرار حملات المداهمة التي تستهدف بعض المخازن والمحلات التجارية، رغم توفر أصحابها على الوثائق القانونية وفواتير الاستيراد والتصاريح المطلوبة. ويعتبر مهنيون أن بعض هذه التدخلات تتحول أحيانا إلى مصدر توتر داخل القطاع، خاصة عندما تتزامن مع منافسة تجارية حادة بين المستوردين.
ويرى فاعلون مهنيون أن المطلوب ليس إيقاف المراقبة، بل ضمان تطبيق القانون بشكل متوازن وشفاف يحمي الجميع دون تمييز، مع الحرص على عدم استغلال الشكايات أو النزاعات التجارية بين المنافسين للتأثير على السير العادي للأنشطة التجارية. كما يدعو المهنيون إلى تعزيز آليات المراقبة القانونية والمؤسساتية التي تضمن احترام المساطر وتحمي في الوقت نفسه حقوق التجار الذين يشتغلون بشكل قانوني ومنظم.
أما في ما يتعلق بقطاع مواد ومستحضرات التجميل، فإن بطء الحصول على التراخيص والموافقات الإدارية يشكل بدوره عائقا حقيقيا أمام المستثمرين والمستوردين، خاصة أن هذا القطاع يعرف تطورا متسارعا ويعتمد على مواكبة الموضة والمنتجات الجديدة بشكل مستمر. لذلك يطالب المهنيون بتبسيط المساطر وتقليص آجال معالجة الملفات، مع توحيد المتدخلين الإداريين لتفادي تكرار الوثائق والإجراءات.
ويؤكد متابعون للشأن الاقتصادي أن تحسين مناخ الاستيراد لا يعني التخفيف من المراقبة أو التساهل مع السلع غير المطابقة، بل يرتبط أساسا بإرساء توازن بين حماية الاقتصاد الوطني وضمان انسيابية التجارة وتشجيع الاستثمار. فكل تأخير أو تعقيد غير مبرر ينعكس مباشرة على الأسعار داخل السوق، ويؤثر في القدرة الشرائية للمواطنين، كما يضعف تنافسية التجار المغاربة أمام الأسواق الخارجية.
وفي المقابل، تبقى الرقمنة، وتبسيط المساطر، وتعزيز التنسيق بين إدارة الجمارك والمكتب المغربي للملكية الصناعية والتجارية والقطاعات الوزارية المعنية، من بين أبرز الحلول القادرة على تخفيف العبء عن المهنيين وخلق بيئة تجارية أكثر مرونة وفعالية.
ويبدو أن المرحلة المقبلة ستفرض فتح حوار أوسع بين الدولة والفاعلين الاقتصاديين من أجل الوصول إلى حلول عملية تضمن حماية الاقتصاد الوطني من جهة، وتوفر للتجار والمستوردين ظروف اشتغال أكثر استقرارا وقدرة على المنافسة من جهة أخرى، خاصة في ظل التحولات المتسارعة التي تعرفها التجارة الدولية وسلاسل التوريد العالمية.

كما ينبه عدد من التجار والمهنيين إلى ما وصفوه بوجود ممارسات غير صحية داخل بعض القطاعات التجارية، تتمثل – حسب تعبيرهم – في استغلال بعض المنافسين لنفوذهم أو لعلاقاتهم من أجل الدفع نحو تكثيف المداهمات والمراقبة على محلات ومستودعات تجار آخرين، خاصة في قطاع العطور ومواد التجميل، رغم توفر هؤلاء على الوثائق القانونية والفواتير والتصاريح المطلوبة.
ويعتبر المتضررون أن مثل هذه الممارسات، إن ثبتت، تسيء إلى مناخ الأعمال وتضرب مبدأ المنافسة الشريفة، كما تخلق حالة من الاحتقان والخوف داخل الأوساط التجارية، خصوصا عندما تتحول عمليات المراقبة إلى وسيلة ضغط تؤثر على حركة البيع والتوزيع وتكبد التجار خسائر مادية كبيرة لفائدة منافسين آخرين داخل نفس القطاع.
وأكد عدد من المهنيين أن التجار لا يعارضون المراقبة القانونية ومحاربة أي تجاوزات أو سلع غير مطابقة، بل يطالبون فقط بتطبيق القانون بشكل عادل ومتوازن على الجميع، بعيدا عن أي تصفية حسابات تجارية أو استغلال محتمل للنفوذ.
كما حذر بعض المتضررين من أن استمرار هذا الوضع قد يدفع عددا من التجار إلى اتخاذ خطوات احتجاجية تصعيدية، من بينها إغلاق محلاتهم وتنظيم وقفات للتعبير عن رفضهم لما يعتبرونه تضييقا غير مبرر ومسا بمبدأ تكافؤ الفرص داخل السوق، داعين الجهات المسؤولة إلى فتح قنوات حوار والاستماع إلى مختلف الأطراف من أجل حماية مناخ الاستثمار والتجارة وضمان احترام القانون في إطار من الشفافية والحياد.

