
بعد سنوات من العناد التكتيكي والتمسك برواية « المكاسب الطاقية »، وضعت الحكومة المغربية حداً لقصة « الساعة الإضافية » الإجبارية، معلنةً إلغاء العمل بها مع متم صيف هذا العام. وهو القرار الذي استقبله الشارع المغربي بمزيج من الارتياح العارم والعتاب الشديد؛ كونه يأتي بعد أن بلغت المعاناة الاجتماعية والنفسية ذروتها، ليدخل القرار خانة أن تأتي متأخراً خير من ألا تأتي أبداً. و
لم يكن تأخر الحكومة في التراجع عن « ساعة العذاب » نابعاً من غياب المؤشرات، بل من قراءة أحادية الجانب للأولويات، وتم تلخيص أسباب هذا التأخر في نقطتين:
حيث ظلت التقارير الرسمية تحتمي خلف أرقام « النجاعة الطاقية » وتقليص استهلاك الكهرباء، وتوافق التوقيت مع الشركاء الأوروبيين خاصة في قطاعات ترحيل الخدمات والبورصة ، هذا المنطق المادي الصرف أعمى بصيرة القرار التنموي عن رؤية الكلفة البشرية.
فقد تحصنت الحكومات لسنوات متعاقبة خلف وعود بإجراء « دراسات جدوى معمقة » لتقييم الآثار الصحية والاجتماعية للساعة الإضافية. وهي الدراسات التي أسالت مداداً كثيراً لكنها بقيت حبيسة الرفوف، ولم تخرج نتائجها للعلن، في محاولة لربح الوقت والالتفاف على الغضب الشعبي.
إن توجيه لوم صريح للحكومة اليوم لا ينطلق من العدم، بل من حجم الخسائر غير المرئية التي تسببت فيها هذه السياسة:
و الأسئلة المطروحة كثيرة منها : أي مبرر اقتصادي يمكنه أن يشفع لحكومة تترك أطفالاً في عمر الزهور يغادرون بيوتهم في عتمة الليل البارد نحو مدارسهم؟ لقد تسبب هذا التوقيت في ترويع الأمهات والآباء، ورفع من منسوب القلق على أمن وسلامة التلاميذ في الصباح الباكر.و كذلك
سحق الفئات الهشة، حيث كانت العاملات في الحقول، وعمال المعامل، والموظفون البسطاء هم خط الدفاع الأول الذي دفع ضريبة هذا القرار من صحتهم البيولوجية. وكذلك مشاهد التثاؤب الجماعي في الإدارات ومقرات العمل التي كانت تعبيراً فسيولوجياً عن خلل الساعة البيولوجية للمواطن.
الشرح الوحيد لهذا التأخر في اتخاذ القرار هو أزمة إنصات حقيقية. فقد بدا للمواطن لسنوات أن الحكومة تعيش في برج عاجي، لا تهمها العرائض الشعبية والتي كانت في عمقها صرخة ألم اجتماعية.و مع ذلك
فإن عودة دقات الساعة في المغرب لتتوافق مع توقيت « غرينتش » واسترجاع نغمة « بيغ بن » التاريخية، هو انتصار حتمي لمنطق الواقع على منطق العناد الإداري.
الاعتراف بعدم جدوى القرار هو بالفعل بداية التشافي والقطع مع « الارتجالية »، لكنه يفرض على الحكومة درساً بليغاً في المستقبل ، و أن كرامة المواطن، واستقراره النفسي، وسلامة أبنائه، هي أرقام حيوية لا تقل أهمية عن أرقام المعاملات التجارية وميزانيات الطاقة.
