
تتجه الأنظار بكثير من الترقب والتوجس إلى كواليس وزارة الصناعة والتجارة بالرباط، بعدما كشفت التقارير الرسمية عن تلقي المغرب عرضاً من جمهورية الصين الشعبية لإبرام اتفاقية تبادل حر. وبينما تبحث الدولة عن آفاق لتنويع الشركاء وتخفيف التبعية لأوروبا، يسود رعب حقيقي في الأوساط المهنية لقطاع صناعة الأحذية والجلد والصناعة التقليدية في حواضر مغربية كبرى مثل فاس، الدار البيضاء، تزنيت، تارودانت، ومراكش. [1, 2, 3]
هذه الحواضر لا تضم مجرد مصانع، بل تشكل منظومة اجتماعية واقتصادية يعيش منها مئات الآلاف من العمال والحرفيين والوعاء الأسري التابع لهم.
هواجس الصُّناع: شبح البطالة، الديون، و »شيكات بدون رصيد »
يرتكز قطاع الأحذية والجلد في المغرب على بنية هشة لكنها حيوية؛ حيث تتوزع بين معامل متوسطة ومئات الورشات التقليدية (العشّاش والتعاونيات). وتكمن خطورة أي اتفاق غير مدروس مع المارد الصيني في النقاط التالية:
أزمة الثقة والمعاملات الآجلة: تعتمد تجارة الأحذية محلياً بشكل شبه كامل على « الثقة » والمعاملات الآجلة (الكريديت والشيكات المؤجلة). أي هزة في المبيعات بسبب تدفق المنتجات الصينية الرخيصة ستؤدي فوراً إلى عجز الصناع عن سداد ديون المواد الأولية، مما يعني إفلاس الورشات، وتوالي قضايا « الشيكات بدون رصيد »، ودخول آلاف الحرفيين إلى ردهات المحاكم والسجون.
المصير المحتوم لليد العاملة: خلاقاً لقطاعات التكنولوجيا، فإن صناعة الأحذية والبلغة والجلد تعتمد على الجهد البشري المكثف. إغراق السوق بأحذية صينية مصنعة بآليات عملاقة وتكلفة زهيدة سيعني تسريحاً جماعياً للعمال، وتحول آلاف الأسر من العيش المستور إلى الفقر المدقع والبطالة.
تدمير الهوية الثقافية: مدن كفاس ومراكش وتزنيت ترتبط هويتها بـ « المعلم » والحرفي. دخول المنتجات المقلدة المصنوعة من مواد كيميائية وبلاستيكية رخيصة لن يضرب الاقتصاد فقط، بل سيقضي على مهارات وموروث تاريخي تتوارثه الأجيال.
كيف ينظر المسؤولون والمؤسسات للمقترح؟ (بين المخاوف والتطمينات)
تدرك الدولة المغربية أن تجارب التبادل الحر السابقة (مثل الاتفاقية مع تركيا) أسفرت عن عجز تجاري كبير وأضرت بقطاع النسيج الوطني، مما دفع المغرب لاحقاً إلى مراجعتها وفرض رسوم حمائية. ولذلك، تنهج الدولة حالياً استراتيجية مختلفة:
الدراسة الجزئية والحذر الجمركي: صرح وزير الصناعة والتجارة، رياض مزور، أن المغرب يجري تقييماً دقيقاً للأثر (Impact Assessment) قبل الجلوس على طاولة المفاوضات. الهدف هو تحديد « الخطوط الحمراء » والقطاعات التي يجب استثناؤها كلياً من أي إعفاء جمركي لحمايتها من الإغراق. [1, 2, 3]
رهان الجامعة المغربية للصناعات الجلدية (FEDIC): تراهن المهنيون على القيمة المضافة للجلد الطبيعي المغربي. فرغم التحديات، يرى فاعلون في القطاع أن الحذاء المغربي المصنوع من جلد طبيعي يمتلك تنافسية عالية من حيث الجودة مقارنة بالأحذية الصينية البلاستيكية. لكن الإشكال يكمن في كلفة الإنتاج والمواد الأولية المستوردة التي تحتاج إلى دعم حكومي لتخفيض السعر النهائي للمستهلك. [1, 2]
جذب الاستثمارات بدل استيراد السلع: التوجه الحالي للدولة يميل إلى إجبار الشركات الصينية على « توطين » مصانعها داخل المغرب (مثلما يحدث في قطاع النسيج وبطاريات السيارات بطنجة والقنيطرة). هذا يعني أنه إذا أرادت الصين دخول السوق، فعليها بناء مصانع هنا وتشغيل اليد العاملة المغربية ونقل التكنولوجيا، وليس مجرد تصدير السلع الجاهزة. [1, 2, 3الحلول البديلة: البحث عن منافذ خارجية للتنفس
تجمع الهيئات المهنية على أن الخروج من حالة الركود الحالية لا يمر عبر فتح الباب للمنافسة غير المتكافئة، بل عبر مسارات حمائية وتطويرية موازية:
استغلال أسواق أفريقيا وأمريكا: يطالب الصناعُ المسؤولين بالتحرك بفعالية لتفعيل اتفاقية التجارة الحرة الأفريقية (ZLECAF) لتمكين الأحذية والمنتجات الجلدية المغربية من غزو الأسواق الواعدة في غرب ووسط أفريقيا التي تثق في المنتج المغربي.
دعم الرقمنة والمعارض الدولية: يحتاج الصانع التقليدي وفلاحو الجلد إلى قنوات تصديرية مباشرة نحو أوروبا وأمريكا الشمالية عبر منصات التجارة الإلكترونية الدولية والمعارض المتخصصة، حيث تُطلب المنتجات اليدوية كـ »سلع فاخرة » بأسعار مرتفعة.
هيكلة القطاع غير المهيكل: توفير قروض ميسرة بضمان الدولة لإعادة جدولة ديون الصُّناع، وتشجيعهم على التكتل في تعاونيات كبرى لتقليص كلفة شراء المواد الأولية ومواجهة التقلبات الاقتصادية.
إن صرخة صناع الأحذية والحرفيين في فاس والدار البيضاء ومختلف المدن هي صرخة مشروعة تمس الأمن الاجتماعي لآلاف العائلات. والمؤشرات الحالية تؤكد أن الدولة المغربية لن توقع على أي اتفاقية تبادل حر مع بكين بصيغة « الرابح والخاسر »، بل ستسعى -إن تمت- إلى فرض شروط صارمة واستثناءات جمركية كاملة لحماية « صنع في المغرب » وحماية كرامة الصانع المغربي.

