
اشتوكة أيت باها : حيث يُفترض أن تكون أشجار الأركان والزيتون واللوز رموزاً للصمود وهبها الله لهذه الأرض الشديدة العطاء، تتجه الأوضاع نحو كارثة إيكولوجية واجتماعية وإنسانية لم تعد تحتمل مساحيق التجميل ولا لغة التهدئة الفارغة.
إن ما يتعرض له الشجر والحجر والمواطن في هذه المنطقة ليس مجرد « خلاف حول مراعي » أو « تداخل سياقات بين رعاة وساكنة »، بل هو عدوان بيئي واعتداء صارخ على ممتلكات المواطنين وحرماتهم يُنفذ تحت عين السلطات ويضرب في العصب الحيوي للأمن المائي والغذائي والاجتماعي للإقليم.هنا نتعرف على
حقيقة الجريمة، ليست الثمار بل إعدام الأشجار.
يروج البعض لتبسيط الأزمة بدعوى أن « الجمال والماعز تأكل ثمار الأركان أو الزيتون، وأن الثمار تعود في السنة القادمة ». هذا الطرح إما يُخفي جهلاً فاضحاً بالطبيعة الفلاحية للمنطقة، أو يتعمد التغطية على أصل الجريمة، لأن
الخطر الحقيقي والمدمر يتجلى في
تكسير الأغصان وتجريد الأشجار من أوراقها: أسلوب الرعي الجائر المستعمل من طرف بعض الرعاة الرحل الوافدين يعتمد على تكسير وتخريب الأغصان الرئيسية للوصول إلى الأوراق الشاهقة.و هذا يؤدي إلى
إعدام الشجرة لسنوات ، لانها يُكسَر غصنها و لا تفقِد محصول سنة واحدة فحسب، بل تدخل في حالة « موت جزئي » يستغرق تعافيها منها سنوات طويلة، إن لم تمُت بالكامل، وهو ما يقطع شريان رزق عائلات تعتمد كلياً على هذه المنتوجات. كما أن ذلك يؤدي إلى
إتلاف أجيال من الغطاء النباتي ، فشجرة الأركان، المشهورة عالمياً والمحشوة بالخطابات الرسمية حول حمايتها كإرث إنساني لمنظمة « اليونسكو »، يتم إعدامها في اشتوكة أيت باها على يد قطعان الجمال والماعز دون حسيب أو رقيب.ولا يعلم هؤلاء أن
تدمير غصن شجرة أركان = شلل إنتاجي يمتد من 3 إلى 7 سنوات + تراجع جودة التربة واستنزاف المورد المائي.كما أن الساكنة تحت وطأة
الإهانة والترهيب بالسب والقذف والتجبر، و
لم يتوقف الأمر عند حدود التدمير البيئي؛ بل تعداه إلى كرامة الساكنة وحرماتها. فالمواطنون الذين قضوا أعمارهم في حماية هذه الأرض ورعايتها، يجدون أنفسهم اليوم عرضة ،

لللإهانة والاعتداء اللفظي، سب وقذف وطغيان من طرف بعض حراس هذه القطعان الذين يتصرفون وكأنهم فوق القانون وفوق حرمة الأعراف والسلطة المحلية.
و كذلك شعور الساكنة العارمة بالعجز أمام جبروت أصحاب هذه الجمال الذين ينتمي أغلبهم لشبكات نفوذ ورساميل كبرى، يدفهم للأسف إلى الخوف واليأس، والتفكير في الهجرة وترك أراضيهم قفراً للمعتدين.مما يجعل
أسئلة حارقة توجه إلى الدولة ومؤسساتها
أمام هذا الوضع المأساوي، و التي تفرض نفسها على أصحاب القرار،
أين هو قانون الرعي الجائر وترحيل القطعان؟ لماذا تتجمد القوانين والقرارات التنظيمية عندما يتعلق الأمر باشتوكة أيت باها، بينما تفعّل في ملفات أخرى فوراً؟
لصالح من يُضحى بالإرث الوطني للأركان؟ كيف تتغنى الدولة في المحافل الدولية بشجرة الأركان وتستقطب التمويلات لحمايتها، بينما تتركها على أرض الواقع طعماً سهلاً للتدمير اليومي؟

أين هي الحماية الدستورية لحرمة الملك المباشر والممتلكات؟ هل أصبحت ممتلكات وأشجار المواطنين في المناطق القروية مباحة بدون حماية أمنية وقضائية رادعة؟
و لا خيار سوى المواجهة القانونية الشاملة، و
أن الحل لن يأتِي بالسكتة القلبية ولا بالشكاوى الفردية المعزولة التي يُسهل اختراقها أو إهمالها. إن حماية ما تبقى من شجر الأركان والزيتون واللوز ، بل يقتضي موقفاً تاريخياً حازماً، من خلال
توحيد الصف وتكثيف الفعل الجمعوي: بتجميع كل جمعيات المجتمع المدني والفاعلين المحليين في الإقليم تحت إطار تنسيقي موحد يخاطب المؤسسات بلغة واحدة وبارزة. و
سلك مسار الشكايات الجماعية والقضائية المباشرة، لرفع دعاوى قضائية جماعية ضد كبار مالكي هذه القطعان المتسببة في الضرر، ومطالبتهم بالتعويض عن الخسائر البيئية والمادية الهائلة.و
التدخل العاجل والسيادي للدولة، بمطالبة وزارة الداخلية، و وزارة الفلاحة والماء، والدرك الملكي بالتنسيق الميداني الصارم لتطبيق القانون، وتحديد مسارات إجبارية للرعي خارج الضيعات والأشجار المثمرة، وتوفير الحماية المباشرة للساكنة.
إن أشجار الأركان والزيتون في اشتوكة أيت باها هي كرامة الإنسان، وهواؤه، وذاكرة الأرض. وإن الاستمرار في الصمت عن إعدامها هو تواطؤ غير مباشر في إخلاء هذه القرى وتصفية غطائها البيئي. على الدولة أن تتحرك فوراً وبقوة القانون قبل أن يفوت الأوان وتتطور الأمور إلى ما لا يحمد عقباه.

