
بقلم عبدالرحيم بخاش
انا لاقدف الورود على إدريس شحتان لأنه «فرّان وقاد بحومة»، ولا أكتب هذا الكلام مجاملةً له، كما لن أُصفّق لأي تجربة لمجرد أنها تحمل اسماً أو شعاراً. أكتب من موقع رجل عاش الصحافة الرياضية ومارسها، وعرف متاعبها وصراعاتها، ووقف في لحظات كثيرة في الجهة المقابلة للقرارات التي اعتبرها غير منصفة للصحافي
كنت من أوائل المعارضين لـ«بطاقة الملاعب»، وكنت أعتقد أن وراءها محاولة للهيمنة على الصحافة الرياضية وتضييق هامشها. خضت، مثل كثير من الزملاء، تجارب ومشاكل كثيرة بسبب هذا الملف، بل إنني اليوم، ورغم أنني أمين جمعية رياضية، لا أتوفر على بطاقة الملاعب، وقد هجرت الملاعب بعدما أرهقتنا مشاكلها
لكن المهنية تفرض علينا شيئاً واحداً: أن نعترف بالنجاح عندما نراه، حتى ولو اختلفنا مع صاحبه.
وبعد هذا المسار الطويل، أقولها بصدق: التجربة التي قادتها الجمعية الوطنية للإعلام والناشرين في تدبير هذا الملف كانت ناجحة بكل المقاييس، وأنجزت في سنوات ما عجزنا نحن عن إنجازه خلال سنوات طويلة. هذه ليست شهادة مجاملة، وإنما شهادة رجل يختلف، وينتقد، لكنه لا يزوّر الحقيقة.
ومن نجح، نجح. وهذه هي أخلاق المهنة.
أما السيد محمد أوزين، فأجد نفسي أمام سؤال مختلف تماماً
هل هذه الحملة ضد إدريس شحتان وشوف تيفي هي فعلاً دفاع عن مبدأ؟ أم أنها مجرد ركوب على موجة شعبية جاهزة، وتحويل خلاف مهني أو إعلامي إلى معركة سياسية؟
لـ«شوف تيفي» كامل الحق في اختيار لونها وخطها الإعلامي، وقد نختلف معها أو نتفق. لكن إدريس شحتان، في النهاية، صحافي ومدير نشر جريدة المشعل، وله مساره وتجربته واختياراته المهنية. ومن حق السياسي أن ينتقد الصحافة، لكن ليس من حقه أن يجعل من الصحافي خصماً سياسياً كلما اختلف معه
وهنا أقول للسيد أوزين، بصفته أميناً عاماً لحزب سياسي: أين هي الأولويات الحقيقية؟
أين أنتم من النقاش حول قانون الإثراء غير المشروع؟
أين أنتم من تسقيف أسعار المحروقات وحماية القدرة الشرائية للمواطن؟
أين أنتم من هجرة الشباب الذين يغادرون الوطن بحثاً عن مستقبل لا يجدونه هنا؟
أين أنتم من الملفات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية الكبرى التي تنتظر من السياسي أن يواجهها بشجاعة؟
هل أصبحت معركة السياسي هي الصحافي؟
إذا كان الهدف هو كسب الشعبية عبر ركوب الموجة، فهذه ليست سياسة؛ إنها استثمار في الضجيج. والسياسي الحقيقي لا يبني رصيده على خصومة مع صحافي، وإنما يبنيه على البرامج والمواقف والدفاع عن قضايا الناس
والأغرب من ذلك أن السؤال لا يتعلق فقط بما يقال اليوم، بل بما قيل بالأمس أيضاً: أين كان هذا الصوت عندما حُكم على إدريس شحتان بسنة حبسا؟ وأين كان الدفاع عن حرية الصحافة يوم كان الصحافي يؤدي ثمن مهنته؟
لا أقول إن شحتان فوق النقد، ولا أقول إن الصحافة فوق المساءلة. بالعكس، الصحافي يُحاسب مهنياً وأخلاقياً وقانونياً عندما يخطئ. لكن الفرق كبير بين نقد الصحافي وبين تحويله إلى خصم سياسي.
وأنا، رغم اختلافي مع شحتان في قضايا كثيرة، أقول اليوم كلمة قد لا تعجب البعض: الرجل صحافي، والصحافي لا ينبغي أن يكون كبش فداء للسياسي
السياسي مهمته أن يخدم المواطن، والصحافي مهمته أن يسأل ويكشف وينقل وينتقد. فإذا دخل السياسي في معركة شخصية مع الصحافي، فقد اختلطت الأدوار، وأصبح من حقنا أن نسأل: من يراقب من؟ ومن يخدم من؟
لقد عارضت بطاقة الملاعب، ثم اعترفت بنجاح من دافع عنها عندما أثبتت التجربة ذلك. وهذه هي المسافة التي تفصل الموقف المبدئي عن الموقف الانتقامي
لذلك أقولها بصراحة للسيد أوزين:
اتركوا الصحافة لأهلها، واتركوا السياسة لأهلها.
ناقشوا البرامج، حاسبوا الحكومة، واجهوا الملفات الكبرى، دافعوا عن المواطن، وحينها سنكون أول من يصفق لكم.
أما أن يصبح الصحافي هو القضية، بينما تتوارى خلفه قضايا المجتمع الكبرى، فهنا يحق لنا أن نسأل، وبصوت مرتفع:
أوزين… أين السياسة؟ وأين الصحافي؟ وأين المواطن من كل هذا؟
فالصحافي قد يختلف معك، وقد يزعجك، وقد ينتقد
لكن وظيفته ليست أن يرضيك. وظيفته أن يسأل.
