شبح البطالة ومواجع الصناعة بالمغرب: لماذا يهرب الشباب من « سميك » المصانع رغم عجز اليد العاملة؟

تستمر مفارقة سوق الشغل بالمغرب في إثارة جدل واسع بين الفاعلين الاقتصاديين والمسؤولين الحكوميين؛ ففي الوقت الذي تعلن فيه المؤشرات الرسمية عن تسجيل مستويات مرتفعة في نسب البطالة –لا سيما في صفوف الشباب– تشتكي المقاولات والشركات الكبرى في القطاعات الصناعية من نقص حاد في اليد العاملة وتراجع معدلات الاستقرار المهني داخل المصانع.

ويرى الاقتصاديون أن المقاربة الحكومية الحالية المقترحة لحل هذه المعادلة تُغفل الجوهر الحقيقي للأزمة؛ حيث لا تكمن المشكلة فقط في مسألة التكوين أو ملاءمة المهارات مع متطلبات السوق، بل تتعلق أساساً بـ « المعادلة الاجتماعية والأجرية » التي تعتمدها العديد من الوحدات الإنتاجية.حيث

تعتمد نسبة كبيرة من المصانع والشركات الاستثمارية على تقديم الحد الأدنى للأجور (SMIG) كأجر أساسي وثابت للملتحقين الجدد. ومع الارتفاع غير المسبوق في معدلات التغذية وتكاليف المعيشة والكراء بالمدن والأقطاب الصناعية الكبرى (كطنجة والقنيطرة والدار البيضاء)، أضحى هذا الأجر غير قادر على تأمين الحد الأدنى من الحياة الكريمة للعامل.

هذا الواقع دفع شريحة واسعة من الشباب العاطلين إلى النفور من العمل الصناعي المجهد صاحب الساعات الطويلة، والتوجه نحو قطاعات غير هيكلية، أو خدمات التوصيل والتجارة الحرة، التي تتيح لهم مرونة أكبر ودخلاً يوازي أو يفوق الحد الأدنى الممنوح في المصانع.و

لتجاوز هذا الانسداد الهيكلي والنهوض الحقيقي بالتشغيل الصناعي، يرى الفاعلون أن الحل يستوجب اعتماد استراتيجية عملية تشمل المحاور التالية:

الانتقال من فلسفة « سقف الأجر الأدنى » إلى اعتماد نظام أجور يربط المردودية بالإنتاجية، مع تقديم منح شهرية مشجعة للإنتاج والاستقرار.و

التزام المقاولات الصناعية بتقديم خدمات الدعم الاجتماعي للعمال، مثل توفير النقل المجاني، وتناول الوجبات بالمجان، وتقديم مساهمات لتغطية تكاليف السكن والتنقل.و تعزيز برامج التكوين بالتدرج المأجور داخل المصانع بشراكة مع مؤسسات التكوين المهني، لضمان تأهيل سريع وفي نفس الوقت توفير تعويض مجزٍ للعامل خلال فترة تدريبه.و تشديد المراقبة على التصريح الكامل بالعمال لدى صندوق الضمان الاجتماعي (CNSS) وتوفير بيئة عمل آمنة تحفظ كرامة اليد العاملة وتحد من نسب المغادرة الفجائية.كما

    إن تحقيق الإقلاع الصناعي المنشود في المغرب لا يتوقف فقط على جذب الاستثمارات وبناء المناطق الصناعية، بل يرتكز أساساً على اعتبار العنصر البشري والمورد العمالي هو الاستثمار الأول الذي يستحق أبراز مقومات العيش الكريم والتحفيز المالي المجدي.