
بقلم عبدالرحيم بخاش
في عصر المعلومات، تتنافس وسائل الإعلام لتقديم محتوى يجذب انتباه الجمهور ويزيد من نسبة المشاهدات. إلا أن هذا التنافس، الذي كان من المفترض أن يرفع من مستوى الصحافة ويعزز دورها كوسيلة لتنوير الرأي العام، قد أفرز نوعًا جديدًا من الإعلام، يمكن وصفه بـ « صحافة الشوارع » و »صحافة الفنادق ». هذه الأنواع من الصحافة، بدلاً من أن تخدم المجتمع وتعالج قضاياه، أصبحت عبئًا عليه، تسهم في تراجع القيم المهنية وتحويل الصحافة إلى مجرد أداة لتحقيق المصالح التجارية.
صحافة الشوارع: سطحية المحتوى وغياب المهنية
صحافة الشوارع تعتمد بشكل كبير على استجوابات عشوائية ومحتوى سطحي، هدفه الأول والأخير هو جمع أكبر عدد ممكن من المشاهدات. تعتمد هذه الصحافة على إثارة القضايا التافهة والعناوين الجاذبة التي تفتقر إلى العمق والتحليل. والأسوأ من ذلك، أن هذه الوسائل الإعلامية غالبًا ما تتجاهل القواعد المهنية والأخلاقية، حيث يتعرض المواطنون لاستجوابات غير مدروسة وموجهة، تُستخدم لإنتاج محتوى سريع ورخيص يخدم فقط مصالح الجهات المالكة.
هذا النوع من الصحافة لا يقدم أي قيمة حقيقية للمجتمع. بل على العكس، يساهم في تضليل الجمهور وزيادة الإحباط من خلال التركيز على القضايا الهامشية وتجنب معالجة المشاكل الحقيقية التي تواجه المجتمع. إن صحافة الشوارع ليست مجرد ظاهرة عابرة، بل هي انعكاس لتدهور القيم المهنية والإعلامية التي يجب أن تقوم على احترام عقل المشاهد وتقديم محتوى يساهم في تحسين واقع المجتمع.
صحافة الفنادق: المصالح على حساب المهنية
من جانب آخر، نجد « صحافة الفنادق »، وهي تلك التي تتخصص في تغطية المؤتمرات الصحفية والندوات الكبرى، حيث يكون الحضور مقتصرًا على النخبة، وتكون التغطية الإعلامية مُوجهة بشكل أساسي لخدمة مصالح معينة. هذه الصحافة تُفضِّل الراحة والترف في الفنادق الفاخرة على النزول إلى الشارع والتعرف على هموم المواطنين.
إن هذا النوع من الإعلام، بدلاً من أن يكون وسيلة لنقل الحقيقة وكشف الحقائق، أصبح جزءًا من لعبة المصالح، حيث يتم تلميع صور معينة والترويج لأجندات خاصة، في مقابل تجاهل قضايا المجتمع الأساسية. صحافة الفنادق غالبًا ما تكون متواطئة مع أصحاب النفوذ، حيث تتجنب نقدهم وتكتفي بتغطية مناسباتهم الرسمية دون الغوص في قضاياهم المثيرة للجدل.
النتيجة: أزمة ثقة بين الجمهور والإعلام
لا عجب أن نجد أن هذا النوع من الصحافة يساهم بشكل كبير في تآكل الثقة بين الجمهور ووسائل الإعلام. فالجمهور، الذي كان يعتمد على الصحافة كمصدر موثوق للمعلومات، أصبح يشعر بالخذلان والإحباط نتيجة لهذا التدهور في مستوى التغطية الإعلامية. إن صحافة الشوارع وصحافة الفنادق تعكسان أزمة عميقة في الإعلام، أزمة تتعلق بفقدان البوصلة المهنية والأخلاقية، وتحويل الصحافة إلى مجرد أداة لتحقيق الأرباح التجارية.
إن معالجة هذه الأزمة تتطلب العودة إلى الأسس المهنية والأخلاقية التي تُبنى عليها الصحافة. يجب على الإعلاميين أن يعوا دورهم الحقيقي في خدمة المجتمع، وأن يتجنبوا الانسياق وراء المغريات التجارية التي تضر بمصداقية المهنة. كما يجب أن يعملوا على تقديم محتوى غني وهادف، يحترم عقل المشاهد ويساهم في تنويره، بدلاً من تزييف الحقائق أو تقديم محتوى سطحي يُزيد من معاناة المجتمع.
إن الصحافة الحقيقية هي تلك التي تلتزم بالحقيقة وتنقلها دون تحيز، وتعمل على تحقيق المصلحة العامة، وليس مجرد زيادة المشاهدات أو تحقيق الأرباح.
