حينما يُباع الضمير وتُشترى الكلمة: هل بقي للصحافة شرف في زمن النفاق؟

في زمنٍ تُباع فيه المبادئ ويُشترى فيه الضمير، كيف لنا أن نحلم بصحافة نزيهة، ونحن نشهد بأعيننا تحوّل هذا الحقل النبيل إلى مسرحٍ تتراقص فيه المصالح الشخصية على أنقاض الحقيقة. إن من يجرؤ على النقد ويكشف النقاب عن الفساد، يجد نفسه معزولًا، مُحاصرًا من كل الجهات، يُحرم من الدعم، ويُقطع عنه الإشهار. أما أولئك الذين يُمجّدون القيادات ويُغنون بمديح أصحاب المال والجاه، فإنهم ينعمون بالفضل والعطاء، وكأنما الصحافة قد تحوّلت إلى مرآةٍ مشوهة لا تعكس سوى بريق الدراهم وصوت النفوذ.

فكيف لنا أن نرجو إصلاحًا، وحكومة الأمس التي جاءت بشعارات التغيير، أصبحت اليوم تُثقل كاهل الشعب بزياداتٍ غير مبررة في الأسعار، دون أدنى اعتبارٍ لمعاناة الفقير الذي تلتهمه الحاجة من كل جانب؟ أين ذهبت تلك الشعارات الرنانة التي كانت تطالب بحقوق الفقراء والمستضعفين؟ وكيف تحوّل المدافعون عن الحق بالأمس إلى من يُفقِر الشعب اليوم بقراراتٍ قاسية تُعمّق الهوة بين الأغنياء والفقراء؟

إن الصحافة التي كنا نحلم بها، تلك التي تحمل هموم الشعب وتنقل صوته إلى من يهمهم الأمر، قد أصبحت أسيرةً بين يدي أصحاب المصالح، تُباع بأبخس الأثمان لمن يشتري. ومتى ما كانت الصحافة في هذا الوضع، فلا أمل لنا في غدٍ أفضل، ولا في تغييرٍ حقيقي، إلا إذا استيقظت الضمائر، واستعادت الصحافة مكانتها الحقيقية كسلطةٍ رابعة تراقب، وتحاسب، وتُنير الطريق أمام الأمة نحو العدالة والحق

في هذا الزمان، نحتاج إلى صحافةٍ تجرؤ على قول « لا » في وجه كل من يُحاول أن يشتري ضميرها، صحافة لا تُساوم على الحقيقة، ولا تبيع مبادئها مهما كان الثمن. وإلى أن يتحقق ذلك، سنظل نعيش في دوامةٍ لا نهاية لها من التراجع والتردي، حيث يظل الفقير يدفع الثمن، وتظل الحقيقة غائبة عن الساحة