بقلم عبدالرحيم بخاش

لقد شهدنا في فترات غير بعيدة عن الحاضر، مجموعة من الأحزاب والحركات السياسية التي ملأت الساحة بوعودها الرنانة وخطاباتها الطنانة حين كانت في صفوف المعارضة. كان لسان حالهم ينطق بالعدالة والمساواة والحرية، ويعبر عن تطلعات الشعب وآماله في التغيير الحقيقي. كانت كلماتهم تصيب القلوب قبل العقول، تلامس هموم المواطن وتجعله يحلم بمستقبل أفضل
وما إن حان وقت التمكين وتقلدت هذه الأحزاب مقاليد الحكم، حتى انقلبت الموازين وتبددت الأحلام. من يتذكر تلك الوعود الوردية في أيام المعارضة، يقف اليوم مشدوهاً أمام حقيقة مرة: لم يكن الخطاب سوى قناع جميل يخفي وجهاً قبيحاً للحقيقة. لقد انكشف الغطاء وسقطت الأقنعة، لتظهر لنا حكومة تخوض في مستنقعات الفساد والفساد فقط.
إن الآية الكريمة في سورة البقرة (204-206) جاءت لتصف تماماً هذا التحول المرير. « وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَىٰ مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ ». نعم، لقد أعجبنا قولهم عندما كانوا في المعارضة، كانوا يظهرون على أنهم المدافعون الأشداء عن حقوق الشعب، والمطالبون بالإصلاحات الجذرية التي تعيد الكرامة إلى المواطن وتحفظ له حقوقه. ولكنهم، وما إن تولوا زمام الأمور، حتى « تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ ».
فقد تحولت هذه الحكومة إلى آلة جبارة تبتلع خيرات البلاد وتبددها في مشاريع وهمية وصفقات مشبوهة، والفساد يطال كل زاوية من زوايا الدولة، حتى أصبح الفساد السمة الأبرز في سيرتها. من يذكرهم بالتقوى والعدل، يواجهونه بالاستكبار والازدراء، كما وصف القرآن الكريم: « وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ ». فهم الآن يرون في مناصبهم حصانة من المساءلة، وحماية من أي نقد أو معارضة.
إن ما يحدث اليوم هو تجسيد حي للآية الكريمة، وما يعمق من جراح هذا الشعب هو أن الأمل الذي كان معقوداً على هذه الحكومة تحول إلى يأس وإحباط، فلم يجد المواطن أمامه سوى الاستسلام للواقع المرير. لقد ضاعت القيم التي كانت تتغنى بها هذه الأحزاب في المعارضة، وغلبت المصالح الشخصية والضيقة على المصلحة العامة.
إن ما نراه الآن ليس مجرد فشل حكومة في إدارة شؤون البلاد، بل هو خيانة للأمانة التي وضعها الشعب في يدها. إن الله لا يحب الفساد، كما لا يحب الخائنين الذين يتلاعبون بمصير الشعوب من أجل مكاسب دنيوية زائلة.
لقد حان الوقت لوقفة تأمل ومراجعة، لندرك أن ما نحن فيه الآن هو نتيجة طبيعية للثقة العمياء التي وضعت فيمن لا يستحقها. ولكي نخرج من هذا النفق المظلم، يجب أن نستعيد القيم الحقيقية التي تقوم على العدل والمساواة والنزاهة، ونحاسب كل من أفسد وأهلك الحرث والنسل. فقد علمنا التاريخ أن لكل ظالم نهاية، وأن الحق يعلو ولا يُعلى عليه

