بقلم عبدالرحيم بخاش

في زمنٍ أصبحت فيه وسائل الإعلام جزءًا لا يتجزأ من حياتنا اليومية، نجد أنفسنا محاطين بمحتوى يزداد سطحيةً وتفاهةً يومًا بعد يوم. الإعلام، الذي كان في السابق منبرًا لنقل الحقائق، وتعزيز الثقافة، وإثراء العقول، أصبح اليوم مشهدًا مكتظًا بالتسلية الرخيصة والمحتوى الفارغ. السؤال الذي يفرض نفسه هو: هل من أفسد الإعلام بالتفاهة هو الذي سيقود سفينة المستقبل؟
الإعلام بين المسؤولية والإثارة
تاريخيًا، لعب الإعلام دورًا محوريًا في تشكيل الرأي العام، حيث كان أداة لإيصال المعرفة، تسليط الضوء على القضايا الهامة، وتعزيز الحوار المجتمعي المثمر. ولكن في العقود الأخيرة، تبدلت الأولويات. لم يعد الهدف الأساسي نقل الحقائق أو تحفيز التفكير، بل أصبح الجذب الفوري للانتباه والتربح من المشاهدات واللايكات.
في هذا السياق، يتم تسليط الضوء على القصص المثيرة للجدل أو التافهة التي تغرق المتابعين في تفاصيل فارغة لا طائل منها. يُروَّج لمشاهير وسائل التواصل الاجتماعي الذين لا يقدمون سوى مظاهر حياتهم اليومية المبتذلة، بينما تُهمش قضايا كبرى مثل التغير المناخي، الفقر، والتعليم. هذا التدهور في نوعية المحتوى يثير تساؤلات حول مستقبل الإعلام ودوره في قيادة المجتمعات.
سطحية المحتوى وتفكك الفكر
النتيجة المباشرة لهذا التحول الإعلامي هي ما يمكن أن نسميه « تفكك الفكر ». كلما زادت التفاهة في المحتوى الإعلامي، كلما أصبح من الصعب على الجمهور التركيز على قضايا أعمق وأهم. العقول، التي كانت في السابق تُشحذ بالمعرفة والفكر النقدي، أصبحت اليوم مشغولة بالمحتوى العابر، الذي لا يترك أثرًا سوى لحظات من التسلية المؤقتة.
هذا التفكك الفكري ينعكس على جميع مناحي الحياة، حيث نرى اليوم أفرادًا يفتقرون إلى القدرة على التحليل النقدي أو فهم القضايا السياسية والاجتماعية المعقدة. وعندما يكون الجمهور مغيبًا عن الحقيقة، من يقود السفينة إذًا؟
العواقب الاجتماعية والسياسية*
عندما يصبح الإعلام ساحة للتفاهة، يُهمَّش الحوار الجاد، ويُقصى كل ما له علاقة بالتحليل المعمق. هذا الوضع يمثل خطرًا على الديمقراطية والمجتمعات المتقدمة، حيث يعتمد التطور على الوعي الجماعي والنقاش المثمر. الإعلام الذي يسيطر عليه المحتوى السطحي يُنتج جمهورًا غير واعٍ وغير قادر على اتخاذ قرارات مدروسة، سواء في السياسة أو الاقتصاد أو الثقافة.
الخطير في الأمر أن المتحكمين في هذا الإعلام التافه قد يكونون أنفسهم من يسعون للسلطة أو من يُستغلون لتحقيق أهداف اقتصادية وسياسية. حين تُقاد المجتمعات بالتفاهة، يتسرب الفساد والسطحية إلى كل المؤسسات الحيوية.
المقاومة عبر الوعي
لكن، ورغم هذه الصورة القاتمة، لا يزال هناك أمل. الوعي هو السلاح الأقوى لمواجهة سطوة التفاهة. عندما يدرك الجمهور أن هناك محاولات لتغييب العقول وإبعادهم عن التفكير النقدي، يُمكنهم استعادة سيطرتهم على محتوى الإعلام من خلال المطالبة بالمحتوى الهادف، ودعم المؤسسات الإعلامية المستقلة التي تسعى لطرح القضايا بعمق ومسؤولية.
التعليم والمعرفة هما الدرع الأساسي ضد هذا التوجه. إذا تمكن الأفراد من تعزيز قدرتهم على التمييز بين التفاهة والمضمون الحقيقي، فإنهم يستطيعون التأثير على توجهات الإعلام عبر خياراتهم الاستهلاكية ودعمهم للمحتوى الجاد.
اذن إن المعركة ضد تفاهة الإعلام ليست مجرد معركة ضد محتوى سطحي، بل هي معركة من أجل الحفاظ على وعي الأفراد وقدرتهم على الفهم والتحليل. من يقود السفينة هو من يمتلك زمام الأفكار ويوجهها. فإذا أفسد الإعلام بالتفاهة، فإن المجتمع ككل معرض للانجراف بعيدًا عن مساره نحو مستقبل مظلم. لكن بالوعي، والتعليم، والنقد البنّاء، يمكن لنا أن نعيد للسفينة اتجاهها الصحيح.
