بقلم عبدالرحيم بخاش

في زمن تشابكت فيه الأفكار وتداخلت فيه الأصوات، أصبح من المعتاد أن نشهد بين الحين والآخر أصواتاً تحاول النيل من رموز الصحافة وقاماتها الكبرى، متذرعةً بدعوى التغيير والحداثة، متجاوزةً بتهورٍ وإجحاف ما قدّمه هؤلاء من إرث عظيم، وما أفنوه من أعمارهم في سبيل بناء صرح إعلامي متين. فهل يُعدّ التطاول على أهرام الصحافة والانتقاص من دورهم مدخلاً صالحًا للإصلاح، أم هو ضربٌ من التقليل من شأن الخبرة وتشويهٌ لمعاني التقدير والاعتراف؟
فخبرة السنين دعائمٌ لا تُطاول لإن الحديث عن « أهرام الصحافة الرياضية » ليس حديثاً عن أفرادٍ عاديين، بل عن كوكبةٍ من أصحاب الفكر والبصيرة، ممن صنعوا التاريخ الإعلامي الرياضي بأيديهم ورسموا ملامح المشهد الصحفي بجهودهم. هم من وضعوا أسس الأخلاق المهنية وحملوا هموم الكلمة، حتى أناروا دربَ الحقيقة والشفافية لعقود. فكيف يُعقل أن يأتي ما لا يفقه في الرياضة سوى الخير والاحسان، فيتجاسر على النيل من مقامهم الرفيع، بل ويطالب بإقصائهم تحت مزاعم التجديد والتغيير؟
إن هذه النزعة لتهميش الاهرام والنيل منهم ليست إلا محاولة طائشة تتجاهل حقائق مهمة، أولها أن الخبرة المتراكمة التي يمتلكها هؤلاء هي عماد الصحافة وأساس راسخ لا غنى عنه. فالصحافة، وإن كانت تقتضي التجدد، تحتاج قبل كل شيء إلى جذور عميقة تمثلها هذه القامات. ولا ريب أن تجارب السنين تظل منارات توجّه الأجيال الجديدة في ممارستهم للمهنة، وتعينهم على فهم أعمق لجذور التحديات التي يواجهها الإعلام.
فإقصاء الخبرات بحجة التغيير ما هو الا فخّ للتطاول واستسهال الإنجاز
من دور « الاهرام » إذ يعتقد البعض أن القدرة على إحداث ضجة عبر وسائل التواصل الاجتماعي كافية ليكونوا قادة التغيير. لكن في الحقيقة، الصحافة لا تُبنى بالضجيج، بل بحكمة الممارسة وعمق التجربة وتوازن الرؤية، وهي أمورٌ رسّخها الاهرام وليس الاقزام على مدى سنواتٍ من العمل المتواصل.
فكيف يُختزل مشوار حافل بالتضحيات، في عباراتٍ مبتذلة تتنكر لعطاءاتهم، وتدعو إلى إزاحتهم عن المشهد الإعلامي بحجة أنهم « يقفون عائقاً » أمام التطور؟ إن هذا الرأي القاصر إنما ينمّ عن سوء فهمٍ لأهمية التناغم بين التجديد وبين الحفاظ على القيم الجوهرية التي طالما ميّزت الصحافة عن غيرها من المهن.
فالصحافة تحتاج إلى دماءٍ جديدة، لكن هذا لا يعني أن يُسدل الستار على أدوار الرموز التي بنت هذا المجال وشقت دروبه الأولى. فالتجديد الحقيقي لا يتحقق بالتطاول على القامات، بل بالاستفادة من خبراتهم وتوجيهاتهم، وبتكامل الأجيال في سبيل الارتقاء بالمهنة. إن المزاوجة بين عراقة « الاهرام » وطموح الشباب هو السبيل الأمثل لتطوير الإعلام وتعزيز دوره المجتمعي.
لذلك، فإن أي دعوةٍ إلى إقصاء الأهرام والنيل منهم هي في حقيقتها دعوةٌ تقف على أرضٍ هشة، لا تصمد أمام تجارب السنين ولا أمام تحديات المهنة. إننا بحاجة إلى الاعتراف بالفضل والسبق لأصحاب التجربة، وبحاجة إلى احترام من قدّموا للصحافة أعمارهم، فقد علّمونا أن الصحافة مسؤولية وليست مجرد وسيلة لبلوغ الأهداف السريعة.
لهذا اقول لك ان النقد البناء يجب أن يقوم على الإنصاف، لا على الاستهانة بعطاءات من صنعوا الأمجاد ورفعوا اسم المهنة عالياً.
