بقلم عبدالرحيم بخاش

في وقتٍ عصيب يشهد تغيّرات متسارعة في المشهد الإعلامي، تطل علينا أصوات لا تجيد إلا التهجم والإساءة، متجاهلةً عظمة هذا الصرح الذي يُسمى الصحافة. هؤلاء الذين يحملون « عصا السخرية »، كما يدّعون، ينصبّون أنفسهم قُضاةً على منظومةٍ عريقةٍ بُنيت على أكتاف أهراماتٍ من الفكر، الثقافة، والتضحية.
كيف يمكن لشخصٍ يدّعي الإصلاح أن يبدأ مسيرته بالتجريح؟ هل يُصلح البناء من خلال هدم أعمدته؟ أم أن النقد الذي لا يستند إلى أسسٍ معرفيةٍ يُصبح في ذاته فسادًا أخلاقيًا يُشوّه المشهد الإعلامي كما يفعل هو نفسه بدلًا من إصلاحه؟
والغريب ان من ينتقد الصحافة هو من يساهم في فسادها؟
لإن الصحافة ليست مجرد مهنة؛ إنها رسالة. رسالة حملها رجالٌ ونساءٌ عملوا بلا كللٍ أو ملل لتنوير العقول والدفاع عن الحقائق، حتى في أحلك الظروف. الصحافة هي منارة الحريّة، ولسان الشعوب، ومرآة المجتمع. وعندما يُوجّه النقد إلى هذه المؤسسة العريقة، يجب أن يكون نقدًا بناءً يهدف إلى تصحيح المسار، لا تحطيم القيم أو تشويه الرموز كما يفعلون الان اصحاب المصالح الضيقة .
لكن الغريب أن من يُطيل لسانه اليوم لانتقاد الصحافة ووصفها بـ »غير المنظمة » هو ذاته من يُسهم في فوضى المشهد الإعلامي. كيف يتجرأ على تقديم نفسه كقائدٍ للسفينة وهو من يُفسد مياهها؟ أليس من الأجدر به أن يبدأ بتقويم نفسه قبل أن يتحدث عن تقويم غيره؟
الصحافة تُبنى، لا تُهدم
على من ينتقد الصحافة أن يُدرك أن النقد مسؤولية، وأن الكلمة سلاح. لا يُمكن لأحدٍ أن يدّعي السعي نحو « تنظيم الصحافة » بينما يُمارس أبشع أنواع التهجم عليها. هذه الأفعال لا تُظهر حرصًا على الإصلاح بقدر ما تعكس رغبةً في الهيمنة وإثارة الفوضى.
لإن الصحافة، كأي مؤسسة إنسانية، قد تعاني من تحديات وأخطاء، لكنها قادرةٌ على تصحيح مسارها بفضل القيم والمبادئ التي تأسست عليها. وما تحتاجه ليس خطاباتٍ جوفاء أو تهجماتٍ عبثية، بل دعمًا صادقًا ومساهمةً فاعلةً في تعزيز مصداقيتها ومهنيتها.
فرسالتي إلى أعداء الصحافة
إذا كنتم حقًا تسعون إلى الإصلاح، فابدؤوا بانفسكم وبالنقد البناء واحترام الرموز الصحافية التي صنعت التاريخ. الصحافة ليست عدوًا، بل حليفًا قويًا في مواجهة الفساد والتزييف. وإلا، فإن كلماتكم لن تكون أكثر من صدى فارغٍ يُذكرنا بأن من لا يحترم أهرام الصحافة هو نفسه فاقدٌ للقيمة والمبادئ.تيبقى الأهرام شامخًة، لا تهزها الرياح، ولا تطالها الأيدي العابثة. الصحافة ستظل رسالة نبيلة يحملها الشرفاء، ولن تُثنيها أبواق الجهل أو محاولات الهدم العبثية.
