بقلم عبدالرحيم الرحيم بخاش

أهلاً بكم في مغرب الأحلام، ذلك البلد الذي يتصدر العناوين دائمًا بإنجازاته الأسطورية في كل المجالات. هنا، حيث تجد مستشفياتنا في طليعة التكنولوجيا الطبية، مدارسنا تنير طريق الأجيال القادمة، والفساد؟ مجرد كلمة في القاموس، لا علاقة لها بالواقع!
الصحة: رحلة في فندق خمسة نجوم عندما تزور مستشفياتنا، تستقبلك الممرضات بابتسامة هوليودية، وأطباءنا يملكون مهارات تضاهي الأطباء في أشهر المستشفيات العالمية. لا توجد طوابير انتظار، ولا معدات معطلة، كل شيء يعمل بنظام ودقة، حتى أنك تشعر وكأنك في رحلة سياحية داخل مستشفى. والأسرة؟ ناعمة ومريحة، يكاد المرء يفضل البقاء في المستشفى بدلًا من العودة إلى المنزل!
التعليم: فنلندا في إفريقيا أما التعليم، فقصتنا هناك أشبه بالأساطير. مدارسنا العامة مشرقة ومنارة للعلم والمعرفة، حيث تجد الطلاب يبتكرون ويبدعون، والمعلمين يتسابقون لتقديم أفضل ما لديهم. لا توجد مدارس مكتظة، ولا مناهج متخلفة، كل شيء يسير كساعة سويسرية. بالطبع، كل تلميذ يخرج من مدارسنا هو مشروع أينشتاين جديد، وما أن ينهي تعليمه حتى يصبح رائد أعمال ناجحًا أو عالمًا كبيرًا
الفساد: خرافة من الماضي ماذا عن الفساد؟ عزيزي القارئ، في مغرب الأحلام، الفساد هو مجرد وهم. المسؤولون عندنا يتنافسون في النزاهة كما يتنافس الأطفال في لعبة كرة القدم. المشاريع تنجز في وقتها، والأموال العامة تستثمر بحكمة، ولا أحد يمد يده على ما ليس له. الشفافية لدينا شعارٌ وليس مجرد حبر على ورق.
الصحافة: حرة ونزيهة (بشرط!) الصحافة لدينا تعيش عصرها الذهبي، بشرط أن تكون « حرة ونزيهة » وفق المعايير المتبعة. نعم، لدينا صحافة تنتقد بحرية، ولكن انتبه! انتقادك يجب أن يكون خفيفًا، وكأنك تهمس في أذن صديقك. الصحفيون عندنا لا يواجهون أي قيود، طالما أنهم يسيرون وفق الخط المرسوم
البنية التحتية: أفلام خيال علمي شوارعنا نظيفة، طرقاتنا معبدة، وجسورنا صامدة كأهرامات الجيزة. حتى المطر الغزير لا يستطيع أن يتسلل عبر أنفاقنا، فهي مجهزة بأحدث تقنيات التصريف. أما إذا كنت تفضل الرفاهية، فما عليك سوى ركوب المواصلات العامة التي تضاهي في جودتها خدمات الدرجة الأولى في الطيران.
ختامًا، هذا هو مغرب الأحلام، حيث كل شيء يسير بشكل مثالي، ونعيش في جنة من التقدم والازدهار. أو ربما، فقط ربما، نحن بحاجة إلى إيقاظ أنفسنا من هذا الحلم الجميل ومواجهة الحقيقة. لأن الواقع، كما نعلم جميعًا، مختلف تمامًا
اما مغرب الواقع: فهو بين وعود الأحلام وحقيقة المعاناة
عندما نتحدث عن مغرب مثالي، حيث الصحة ممتازة، والتعليم في قمة مستوياته، والفساد لا وجود له، يبدو الأمر وكأنه فصل من رواية خيالية. لكن دعونا نفتح أعيننا على الواقع الذي يعيشه المواطن المغربي يوميًا، حيث يجد نفسه محاصرًا بين مستشفيات تفتقر إلى الحد الأدنى من الشروط، ومدارس متهالكة، وفساد متجذر يصعب اقتلاعه
الصحة: رحلة في مستشفى مهترئ عند زيارة مستشفياتنا، فإنك تواجه مشهدًا يعكس مدى الفجوة بين الواقع والوعود. طوابير طويلة من المرضى، أطباء مرهقون، وأجهزة طبية متعطلة أو قديمة. الأسِرَّة ليست سوى قطع من الحديد البارد، والمريض محظوظ إذا وجد الدواء اللازم. الحصول على موعد مع طبيب متخصص قد يستغرق أشهرًا، وإن حالفك الحظ وحصلت عليه، فإنك ستجد نفسك في مواجهة نظام صحي منهك
التعليم: بين الانهيار والإهمال أما عن التعليم، فالمدارس العامة تعاني من نقص في التجهيزات، واكتظاظ في الفصول، ومناهج تعليمية تقليدية لا تلبي احتياجات العصر. المعلمون يواجهون تحديات كبيرة في بيئة تعليمية تفتقر إلى الحد الأدنى من التحفيز، بينما الطلاب يحاولون النجاة في نظام تعليمي يفتقر إلى الإبداع والابتكار. الكثير من المدارس لا تصلح حتى كأبنية، فما بالك بتوفير تعليم راقٍ
الفساد: سرطان ينخر في المجتمع الفساد في المغرب ليس مجرد حالات فردية، بل هو شبكة معقدة تمتد إلى كل زاوية. من الرشوة في الإدارات، إلى المحسوبية في التعيينات، إلى نهب الأموال العامة في المشاريع الكبرى. المواطن البسيط يدفع الثمن يوميًا، وهو يرى أموال بلاده تُهدر، والمشاريع تُنجز بمواصفات متدنية، بينما يزداد الأغنياء ثراءً والفقراء فقرًا
الصحافة: بين القيود والرقابة الصحافة في المغرب تعيش تحت وطأة القيود والرقابة. الأصوات الحرة تُكمم، والانتقاد يواجه بالعقوبات. الصحفيون يجدون أنفسهم في معركة مستمرة للحصول على الحقائق، بينما تسعى السلطات إلى السيطرة على الخطاب الإعلامي. حرية الصحافة هي شعار يُرفع في المناسبات، لكنه لا يجد طريقه إلى الواقع العملي
البنية التحتية: صورة زائفة البنية التحتية قد تبدو جيدة في الصور الرسمية، لكن الواقع يكشف غير ذلك. الشوارع مليئة بالحفر، الجسور تعاني من تشققات، والأنفاق تتحول إلى برك مائية عند أول زخة مطر. النقل العام يعاني من فوضى عارمة، والخدمات الأساسية تعاني من إهمال مزمن
ختامًا، مغرب الواقع يختلف كثيرًا عن مغرب الأحلام الذي نتمنى أن نعيش فيه. التحديات كثيرة، والمعاناة حقيقية، لكن الأمل لا يزال موجودًا في قلوب المغاربة. الأمل في تغيير حقيقي، يبدأ من الاعتراف بالواقع والعمل الجاد على إصلاحه، وليس مجرد الترويج لصورة زائفة. لأن المستقبل الأفضل يبدأ من مواجهة الحقائق، لا الهروب منها
