صحافة التفاهة في المغرب: حين يغرق الإعلام في مستنقع الابتذال

بقلم عبدالرحيم بخاش

لقد باتت صحافة التفاهة في المغرب كالعشب الضار الذي ينمو في تربة الإعلام، مزاحمةً الورود النضرة التي كان من المفترض أن تملأ الساحة الصحفية. في زمن باتت فيه الكلمة سلاحاً فتاكاً، أصبح الإعلام وسيلة لتمرير التفاهة وتصدير الرداءة، مفرغاً رسالته النبيلة من محتواها، ومتخلياً عن دوره الأساسي في توعية المجتمع وتنويره
فليس من الغريب أن تجد منصات إعلامية تُعنى بمحتوى رخيص، تتفنن في إثارة الجدل حول قضايا هامشية، وتجعل من الحوادث التافهة مادتها الدسمة. فهؤلاء الذين يحملون الهواتف الذكية ويزعمون أنهم صحفيون، يتهافتون على الفضائح والمآسي، ويصورون المغرب وكأنه غابة تعج بالجرائم والمخاطر. تلك الصورة السوداوية التي يصرّون على رسمها، لا تعكس حقيقة المجتمع المغربي المتعدد الأوجه، بل هي صورة مبتورة تقتطع من الواقع ما يخدم أهداف الإثارة الرخيصة.

وإن من أهم أسباب تفشي صحافة التفاهة هو غياب المهنية والأخلاقيات الصحفية، حيث أضحى الهمّ الأول للعديد من المنابر الإعلامية هو عدد المشاهدات والتفاعل، متناسية أن الصحافة مسؤولية قبل أن تكون مهنة. الصحفي الحقيقي يسعى إلى البحث عن الحقيقة، ينير العقول ويضع النقاط على الحروف، بينما صحافة التفاهة تضع الخطوط الحمراء على كل ما هو جاد، وتنشر الغبار على كل ما هو نافع.
ومن المفارقات العجيبة أن هذه الصحافة التافهة تجد من يدعمها من أيادٍ خفية، تسعى إلى زعزعة استقرار الوطن وإضعاف وعي المواطنين. الدعم الذي تتلقاه هذه المنابر ليس مادياً فقط، بل هو أيضاً معنوي يتمثل في التساهل مع ما تنشره من هراء، في حين تُحارب الصحافة الجادة وتُكمم أفواهها بقضايا تُحرك بسرعة البرق. هذا الدعم الخفي يسهم في تسيد التفاهة على حساب الإعلام الجاد، ويحوّل المشهد الإعلامي إلى سوق يعج بالسطحية والسذاجة
و تفشي صحافة التفاهة في المغرب له تداعيات خطيرة على المجتمع، حيث يسهم في تشويه القيم، وتكريس الجهل، وزعزعة الثقة في المؤسسات. عندما يصبح الإعلام أداة لتضليل العقول بدلاً من توعيتها، يتحول إلى خطر يهدد كيان المجتمع، ويضعف مناعته أمام التحديات الكبرى. فبدلاً من أن يكون الإعلام مرآة تعكس الواقع بكل تجلياته، أصبح مرآة مقعرة تشوه الصورة، وتضخم التفاهات، وتقلل من شأن القضايا المصيرية
فلم يعد الصمت مقبولاً أمام هذا المد الجارف من التفاهة اذ يجب أن يُرفع الصوت عالياً في وجه كل من يسعى إلى تشويه صورة المغرب وتحطيم معنويات شعبه. إن الصحافة الحقيقية هي التي تقف في صف المجتمع، تدافع عن قضاياه، وتسلط الضوء على الإنجازات، وتنتقد بموضوعية كل ما يعوق تقدمه. لا يمكن للإعلام أن يكون أداة بناء إذا كان يستعمل معول الهدم، ولا يمكن أن يكون منارة إذا كان يغرق في وحل الابتذال
إن مواجهة ظاهرة التفاهة في الإعلام تتطلب تضافر الجهود من كافة الأطراف، بدءاً من الدولة التي يجب أن تضطلع بدورها في تقنين العمل الصحفي ووضع ضوابط صارمة تضمن احترام أخلاقيات المهنة، مروراً بالنقابات التي يجب أن تتحمل مسؤولياتها في حماية الصحفيين النزهاء، وصولاً إلى الجمهور الذي يجب أن يكون واعياً بضرورة دعم الإعلام الجاد ومقاطعته لكل ما هو تافه
إن صحافة التفاهة ليست مجرد ظاهرة عابرة، بل هي مرض خبيث ينخر جسد الإعلام المغربي، ويتطلب علاجاً جذرياً قبل أن يستفحل. لا يمكن للمغرب أن ينهض إذا كان إعلامه يخدم الرداءة، ولا يمكن للمجتمع أن يتطور إذا كان يعاني من تخمة في التفاهة. الصحافة ليست ترفاً، بل هي ضرورة، وعندما تنحرف عن مسارها، تصبح خطراً يهدد الوطن والمواطن على حد سواء.