
المغرب والجزائر: متى تنتهي لعبة « فرق تسد »؟
على مدى عقود، ظلّ المغرب والجزائر غريمين في معركة سياسية استنزفت مقدراتهما وشتّتت طاقاتهما في صراعات لا رابح فيها. والمفارقة أن هذه الخصومة ليست نتاج صراع طبيعي بين شعبين شقيقين، بل هي امتداد مباشر لإستراتيجية استعمارية قديمة تقوم على مبدأ « فرق تسد »، حيث يزرع الاستعمار بذور الفتنة بين الدول المجاورة ليضمن استمرار هيمنته، حتى بعد رحيله الرسمي.
بين الجغرافيا والتاريخ.. حلم لم يكتمل
إذا نظرنا إلى خريطة شمال إفريقيا، سنجد أن المغرب والجزائر يشتركان في أكثر من مجرد حدود تمتد لأكثر من 1500 كيلومتر. فالتاريخ بينهما متشابك، واللغة واحدة، والدين واحد، والثقافة تتشابه حدّ التطابق. ومع ذلك، بدلاً من أن يتحول هذا القرب الجغرافي والتاريخي إلى عنصر قوة، تحوّل بفعل السياسات العقيمة إلى مصدر نزاع دائم، ضاع فيه صوت العقل أمام لغة المصالح الضيقة.
ماذا لو كان الحظ جميلاً للمغرب، وكانت الجزائر جارة صالحة، همّها الأول التنمية المشتركة بدلاً من استنزاف ثرواتها في العداء والتسليح؟ ماذا لو لم تُهدَر المليارات في سباق التسلح والسياسات العدائية، بل تم استثمارها في خلق اقتصاد تكاملي يخدم الشعبين؟
خسائر بالجملة.. من المستفيد؟
لو أُنفقت هذه الأموال الطائلة التي تهدر على دعم الانفصال والمؤامرات السياسية، في مشاريع تنموية، لكان شمال المغرب وجنوب الجزائر أكثر ازدهارًا، ولكانت مدن مثل وجدة وتلمسان مناطق حيوية تعجّ بالنشاط التجاري والصناعي، بدلًا من أن تتحوّل الحدود بين البلدين إلى جدار بارد يرمز للقطيعة والتوتر.
أكثر من 50 عامًا من القطيعة، والنتيجة؟ لا الجزائر حققت مشروعها السياسي، ولا المغرب توقف عن التقدم رغم العراقيل. بل إن الرابح الوحيد هو القوى الخارجية التي تبيع السلاح، وتضمن بقاء المنطقة في حالة ضعف تمنعها من أن تصبح قوة إقليمية فاعلة.
المستقبل.. هل من أمل؟
رغم كل هذا التاريخ المرير، لا يزال الأمل قائمًا. لأن الجغرافيا لا تتغير، والتاريخ لا يُمحى، والوعي الشعبي في البلدين بدأ يدرك أن الاستمرار في هذا العداء لن يجلب سوى مزيد من التراجع.
إن المستقبل الحقيقي لشمال إفريقيا لا يكون إلا بتجاوز الخلافات المفتعلة، وفتح الحدود، وإحياء مشاريع التكامل الاقتصادي، لأن قوة المنطقة تكمن في وحدتها لا في تفرقها. وكما يقول المثل المغربي: « يد الله مع الجماعة »، فإن يد الله ستكون مع كل من يسعى للسلام والتنمية بدلًا من الصراع والعداء.
