باطل اريد به حق في زمن مغرب جديد

بقلم عبدالرحيم بخاش


في زمنٍ مضى، كانت الصحافة الرياضية مدرسة حقيقية للغة، للأخلاق، وللتحليل الرصين. لم تكن مجرد نقل لنتائج المباريات، بل كانت مرآة تعكس نبض الملاعب، وضميرًا يُنصف اللاعبين والجماهير، وصوتًا يُعلي من قيمة الرياضة كرافعة للهوية والوعي والانتماء. كانت الأقلام تُشحذ كما السيوف، لا للسب أو الإثارة الرخيصة، بل للدفاع عن النزاهة، لتقويم الانحراف، ولتكريم المجد الذي يصنعه الأبطال في صمت.

لكن، ويا للأسف، ما نراه اليوم يُبكينا أكثر مما يُضحكنا. دخلت التفاهة من أوسع الأبواب، وتسللت إلى ميادين الصحافة الرياضية تحت مسميات جديدة، لا علاقة لها بالمهنة ولا بالمبادئ. أشخاص بلا تكوين، بلا تجربة، بلا حتى احترام لأبجديات اللغة، أصبحوا فجأة يمثلون الصحافة، يتحدثون باسمها، ويدّعون تمثيل الجمعيات والنقابات التي بُنيت على عرق رجال أفنوا أعمارهم في خدمة الكلمة النزيهة والصورة الهادفة.

لم تعد الكفاءة معيارًا، بل عدد المتابعين، وعدد « اللايفات »، وكمّ الجدل المصنوع في استوديوهات تعجّ بالصراخ أكثر مما تحتوي على تحليل. أصبحت الرياضة مجرد خلفية لصراع الأنا، ساحة لتصفية الحسابات، ومناسبة لإثارة الفتنة بين الجماهير. الكلمة فقدت قيمتها، وأصبح السبّ يُعتبر « رأيًا »، والجهل يُقدّم كـ »تحليل »، وكل من امتلك هاتفًا وكاميرا نصب نفسه صحافيًا ومؤثرًا وممثلًا للإعلام.

أين هي الهيئات الصحفية العريقة؟ أين هم من قضوا عمرهم في التكوين الميداني، في تغطية المباريات وسط البرد والمطر، وفي حمل همّ المهنة قبل التفكير في الشهرة؟ كيف يُساوى بين من يحمل بطاقة الصحافة بعرق الجبين، وبين من يوزّعها لنفسه على صفحات التواصل؟ إنها إساءة مزدوجة: للصحافة أولًا، وللرياضة ثانيًا، وللجمهور الذي بات يُضرب على عقله بمحتوى لا يرتقي حتى لمستوى الترفيه البسيط.

الصحافة الرياضية ليست مجرد مهنة، إنها رسالة. هي التي رافقت الإنجازات الكبرى، وخلّدت أسماء لاعبين ومدرّبين ومسيرين، وسجّلت لحظات تاريخية صنعت جزءًا من ذاكرة الوطن. ليست فضاءً للصراخ الفارغ ولا حلبةً لتصفية الحسابات باسم الفرق والانتماءات. إن تمييع هذا المجال هو تدمير لذاكرة أجيال، وعبث بموروث قيمي وثقافي عظيم.

لن نقبل أن يكون الحاضر على حساب الماضي، ولن نسمح بأن تُغتال المهنة بيد من لا يؤمنون بها. الصحافة الرياضية ستظل شامخة ما دام فيها رجال ونساء يؤمنون بالكلمة، بالمصداقية، وبأن الرياضة أكبر من تفاهة المؤقتين. اليوم، وأكثر من أي وقت، نحتاج للوقوف في وجه كل من يُريد أن يُفرغ هذا المجال من نُبله، ويحوّله إلى مسرح للابتذال. لا للتفاهة، لا للاستهتار، ولا لمن يعبثون بتاريخ مهني بُني بالعرق والمواقف لا بالهتاف الفارغ