في زمنٍ صار فيه الميكروفون سلعة، ضاعت هيبة الصحافة

بقلم عبدالرحيم بخاش


« في زمنٍ صار فيه الميكروفون سلعة، ضاعت هيبة الصحافة »
أين نحن من الصحافة التي كانت لسانَ الأمة وضميرَها الحي؟
أين ذاك الزمن الذي كان فيه الصحفي يقف في وجه الاستبداد، يقارع الفساد، ويكتب بمدادٍ من الشرف والصدق؟
لقد أصبحنا اليوم نعيش عصرًا تراجيديًّا، سقطت فيه الأقلام وتلوثت المنابر، وأصبح الميكروفون يُشترى في الأسواق كما تُشترى لعبة للأطفال، فيُمنح لكل من هبّ ودبّ لقب « صحافي ».
صرنا نرى من يملأ الفضاءات ضجيجًا، لا محتوى، يتحدث عن كل شيء ولا يقول شيئًا، يجعل من منبره منصة للتطبيل، والتملق، وخدمة التفاهة، والدفاع عن الرداءة. باسم « الحرية »، تُمارَس اليوم أبشع صور الارتزاق الإعلامي. وباسم « الصحافة »، يُساق الرأي العام نحو الضياع، ويُلوَّث الوعي الجمعي بكلام أجوف لا يُسمن ولا يُغني من فكرٍ أو معرفة.
ما هذا الزمان الذي صار فيه كل من اشترى ميكروفونًا أو أسّس صفحة إلكترونية، يتحدث باسم الصحافيين، ويأمر وينهى، وكأنه وليُّ أمرهم؟
أين المؤسسات؟ أين التنظيم؟ أين الميثاق المهني؟ أين الضمير الأخلاقي الذي يُفترض أن يسكن كل من احترف مهنة المتاعب؟
لقد صارت الصحافة في بلادنا، في كثير من صورها، مهنة من لا مهنة له. ميدانًا للفوضى، ومعرضًا للتكاذب والتسويق لمظاهر التفاهة والانحطاط. صرنا، والله، نخجل أن نُعرّف أنفسنا بأننا ننتمي إلى هذا الجسم الذي امتلأ بالتقرّحات.
ارحمونا.
كفى عبثًا.
اتركوا المهنة لأهلها الحقيقيين، أولئك الذين نذروا حياتهم للحقيقة، لا للهوامش، الذين يُتقنون الحرف، ويَحترمون القارئ، ويؤمنون أن الصحافة سلطة، لا سلعة.
إننا لا نُطالب بالمستحيل، بل نرجو فقط أن تُعاد الهيبة للمهنة، وأن تُغربل الأسماء، وتُجفف منابع التفاهة، ويُمنح المنبر لمن يستحقه، لا لمن يملكه.
فوالله تعبنا.
تعبنا من الأصوات التي ترتفع بلا معنى.
تعبنا من « صحفيين » لا يعرفون من الصحافة سوى