صحافة المصالح: حين يضيع الشرف في سوق الارتزاق

بقلم عبدالرحيم بخاش

صحافة المصالح: حين يضيع الشرف في سوق الارتزاق
في زمن التواء المعايير واندثار القيم، أضحت مهنة الصحافة – التي كانت يومًا صوت الضمير وسيف الحقيقة – مرتعًا للمصالح الذاتية، ومنبرًا لمن باعوا الكلمة في أسواق النفاق، فاختلط الحابل بالنابل، وانمحت الحدود بين الشريف والمتسلق، بين صاحب الرسالة وبائع الوشاية.
ما الذي جرى؟ وأي ريح عاتية تلك التي عصفت بعرين الصحافة حتى سقطت أقلام كثيرة في وحل الارتزاق، تُداهن صاحب المال وتُطبل لصاحب السلطة، وتغض الطرف عن الفساد مقابل فتات من جاه أو حساب بنكي سمين؟
في هذا المشهد المعتم، لم يعُد للكرامة مكان. تقهقر الضمير، وتلاشى الحياء، فكم من منبر إعلامي أصبح بوقًا مأجورًا لا يصدح بالحقيقة، بل ينفث ما يُملى عليه، وكم من صحفي بات عبدًا للغنيمة، يبتسم لجلاده إذا ابتسم، ويهاجم خصومه إذا أُشير له بالأمر.
أين نحن من تلك الصحافة الحرة التي كانت تهز عروش الظلم، وتزلزل أركان الاستبداد؟ أين نحن من صحفيين ماتوا جوعًا ولم يبيعوا الكلمة، ومن أقلام حوربت لأنها رفضت أن تنكسر؟ اليوم، تُشترى الأقلام كما تُشترى البضائع الرخيصة، وتُباع المواقف على موائد الولائم، ويُخنق الشرف في كؤوس المجاملة.
وما أشد خيبة من اعتقد أن الإعلام وطنٌ للحق، فإذا به يرى المرتزقة يزينون الكذب ويخفون الحقائق، ويدوسون على كراماتهم كما يُداس التراب. لقد تلوث الحرف، وانطفأت النار المقدسة في قلوب من نسوا أنهم كانوا أمناء على الحقيقة، لا خدَمًا في بلاط المنتفعين.
أيها المتاجرون بالمهنة، لا تلبسوا ثوب الشرف وأنتم تُراكمون الأرباح على أنقاض المصداقية. فالمهنة التي لا يحرسها الضمير، تتحول إلى خنجر في خاصرة الوطن. والمقال الذي لا ينبض بالحقيقة، يُولد ميتًا، لا حياة فيه ولا أثر.
إننا لا نرفض أن يُكافأ الصحفي، ولا أن يعيش كريمًا، لكننا نرفض أن تُشترى روحه، وأن تُكمم كلمته، وأن يتحول من حاملٍ للنبأ إلى صانعٍ للفتنة أو تابعٍ أعمى.
فالصحافة إن لم تكن حرّة، فهي دمار. وإن لم تكن أمينة، فهي خيانة.