
يُعَدّ الخطاب السياسي محركاً رئيسياً في الحياة العامة، فهو الأداة التي يستخدمها السياسيون لإقناع الناخبين وتبني مواقف معينة. لكنه غالباً ما يثير جدلاً واسعاً، خاصةً عندما يلامس الخط الرفيع بين التعبير عن القلق المشروع واستخدام الترهيب العاطفي. في هذا السياق، يبرز تصريح الوزير السابق محمد أوجار كمثال حيّ على هذا التناقض، حينما دعا المغاربة إلى التصويت لحزبه قائلاً: « خص المغاربة يصوتو على حزب الحمامة باش نكملو الإصلاحات لي بدينا وإلا ستحل الكارثة بالمغرب ».
هذا التصريح يفتح الباب على تساؤلات جوهرية حول طبيعة الخطاب السياسي. فهل ما قاله أوجار هو مجرد تحذير سياسي مشروع من عواقب محتملة، أم أنه تخويف مباشر للناخبين بهدف التأثير على قرارهم؟
من الممكن أن يُنظر إلى تصريح أوجار على أنه تعبير عن رؤية سياسية واضحة. فالحكومات والأحزاب السياسية غالباً ما ترى أن عملها لا يكتمل إلا عبر دورات انتخابية متتالية، وأن التغيير المفاجئ قد يؤدي إلى تعطيل المشاريع القائمة وإلغاء الإصلاحات الجارية. من هذا المنطلق، يمكن أن يكون تحذيره بمثابة إشارة إلى أن عودة أحزاب أخرى قد لا تملك نفس الرؤية أو الإرادة، مما قد يؤدي إلى تراجع أو تدهور الأوضاع في مجالات حيوية مثل الاقتصاد أو التنمية الاجتماعية. هنا، لا يكون الهدف هو التخويف بقدر ما هو تسليط الضوء على أهمية الاستمرارية لتحقيق الأهداف الكبرى للبلاد،
في المقابل، يمكن اعتبار هذا التصريح نوعاً من التلاعب العاطفي. فالعبارة « ستحل الكارثة » هي عبارة فضفاضة وتهويلية، لا تستند إلى أرقام أو بيانات محددة يمكن للناخب مناقشتها أو دحضها. هذا النوع من الخطاب يضع الناخب أمام خيار قسري: إما أن يختار الحزب الذي يتحدث، أو يتحمل مسؤولية « الكارثة » المحتملة. هذا الأسلوب يتجاوز منطق الإقناع بالبرامج والمشاريع، ليحل محله شعور بالخوف والضغط النفسي. فبدلاً من أن يتم تمكين الناخب من خلال المعلومات، يتم ترهيبه من خلال سيناريوهات سلبية، مما يقلل من حرية اختياره ويقوض مبدأ اتخاذ القرار بناءً على التحليل الموضوعي.
إنّ استخدام التخويف في الخطاب السياسي له تداعيات عميقة. فإلى جانب تأثيره المباشر على الناخب، يمكن أن يؤدي إلى:
تآكل الثقة: عندما يربط السياسيون مصير البلاد بوجودهم في السلطة، فإنهم يزرعون في وعي المواطنين فكرة أن المؤسسات ضعيفة وتعتمد على الأشخاص لا على القوانين والمبادئ، مما يضعف الثقة في النظام السياسي ككل. كما
هذا الخطاب يختزل القضايا المعقدة في خيارات ثنائية متطرفة (« إما نحن أو الفوضى »)، وهو ما يقتل الحوار البناء ويمنع مناقشة الحلول البديلة.
كذلك إن جوهر الديمقراطية يكمن في التعددية وحق الناخب في الاختيار بحرية تامة. عندما يتم ممارسة الضغط عبر التخويف، فإن هذه المبادئ تتلاشى تدريجياً. وأخيرا
يظل تصريح محمد أوجار نموذجاً حياً لمعضلة الخطاب السياسي. فهو يُظهر كيف يمكن أن يكون الفارق بين التحذير المسؤول والتخويف المرفوض دقيقاً جداً. ورغم أن نية المتحدث قد لا تكون التخويف المباشر، إلا أن وقع الكلمات على الرأي العام قد يأخذ مساراً آخر يبتعد عن جوهر الإقناع، ويقترب من حافة الترهيب.
