
بقلم عبدالرحيم بخاش
عبد اللطيف وهبي.. الرجل الذي جاءت به الرحلة من تارودانت إلى قلب العدالة
ثمة رجالٌ لا تختصرهم المناصب، لأن المناصب في مسيرتهم ليست سوى محطاتٍ عابرة في رحلة أطول من كرسيٍّ وزاري، وأعمق من لقبٍ سياسي. وعبد اللطيف وهبي واحدٌ من أولئك الذين يصعب أن تقرأ تجربتهم من نهايتها؛ إذ ينبغي أن تعود إلى البدايات، إلى تارودانت، إلى البيت والأسرة، إلى ذلك الفتى الذي حمل من بيئته المحافظة شيئًا من صلابة الرجال، ومن دفء العائلة ما ظلّ حاضرًا في شخصيته مهما اتسعت به دوائر الحياة
وُلد وهبي سنة 1961 بتارودانت، ونشأ في أسرة كبيرة، قبل أن تقوده الدراسة إلى القانون، ويقوده القانون إلى المحاماة، ثم تقوده الأسئلة التي لا تنتهي إلى عالم الحقوق والسياسة والكتابة. ومنذ سنة 1993، وهو يمارس المحاماة بهيئة الرباط، لم يكن القانون بالنسبة إليه مجرد مهنة، بل بدا أقرب إلى مدرسةٍ في فهم الإنسان، والصراع، والحق، والسلطة، والعدالة
غير أن وهبي لم يكتفِ بأن يكون محاميًا يقف أمام المحاكم؛ فقد حمل معه قلمًا آخر، قلمَ الكاتب والصحافي. دخل عالم الصحافة والنشر، وأدار صحيفة «الجمهور» اليومية، ثم أطلق مجلة «عدالة» المتخصصة في المجال القانوني، التي جعل من أهدافها نشر الثقافة القانونية وربط الإعلام بقضايا العدالة وحقوق الإنسان. ولم تكن الكتابة عنده زينةً على هامش المهنة، بل كانت امتدادًا طبيعيًا لقناعاته الحقوقية والسياسية
ولذلك لم يكن غريبًا أن يكتب في الدستور والسياسة والبرلمان والعدالة وحقوق الإنسان؛ فقد نُشرت له مقالات تناولت قضايا من قبيل الدستور، والمحكمة الدستورية، والحياة الحزبية، والانتخابات، ووظيفة البرلمان، وأزمة السياسة. كما ارتبط اسمه بعدد من الكتب والدراسات في القانون والسياسة والعمل البرلماني، من بينها «آراء حول السياسة» و«حقوق الطفل في ظل النزاعات الدولية» و«المحكمة الدستورية» و«من وحي البرلمان» و«في نقد السياسة».
وفي الجانب الحقوقي، كان وهبي حاضرًا قبل أن يصل إلى مقاعد السلطة التنفيذية؛ فقد ارتبط اسمه بالعمل الحقوقي، وشغل مهام مهنية وحقوقية، من بينها مستشار بمركز الهجرة التابع لوزارة حقوق الإنسان، ونائب رئيس المنظمة العربية للمحامين الشباب. ثم وجد نفسه لاحقًا في الموقع الذي طالما ناقش قضاياه من موقع المحامي والكاتب والحقوقي: وزارة العدل
وهنا تبدو المفارقة الأجمل في حكايته:
الرجل الذي أمضى سنواتٍ يناقش العدالة من خارج السلطة، انتهى به الطريق إلى الجلوس في المكان الذي تُصنع فيه بعض أدواتها.
لكن وهبي ليس فقط ذلك الرجل الذي تراه في البرلمان أو خلف مكتب الوزير. ثمة جانب آخر في شخصيته؛ رجلٌ يحمل في ملامحه شيئًا من ابن البيت، وشيئًا من ابن المدينة، وشيئًا من ذلك الفتى الذي لم تنقطع صلته بجذوره. ابتسامته الهادئة كثيرًا ما تخالف صرامة خطابه، وكأن الوجه اختار أن يحتفظ بشيء من هدوء الإنسان، بينما اختار اللسان أن يحتفظ بجرأة السياسي.
ولعل هذه الازدواجية هي ما يمنح شخصيته فرادتها: ابتسامةٌ لا تعني بالضرورة اللين، وصلابةٌ لا تلغي دفء الإنسان.
ثم جاءت السياسة لتفتح أمامه بابًا آخر. من النضال والعمل الحقوقي والمهني، إلى البرلمان، ثم قيادة حزب الأصالة والمعاصرة، وصولًا إلى وزارة العدل؛ مسارٌ لم يُبنَ في يومٍ واحد، وإنما تراكمت فيه عقودٌ من المحاماة والكتابة والعمل العام. وقد تولى رئاسة فريق حزبه بمجلس النواب، ثم رئاسة لجنة العدل والتشريع، قبل أن يصبح أمينًا عامًا للحزب بين 2020 و2024، ثم وزيرًا للعدل منذ أكتوبر 2021، مع تجديد الثقة فيه سنة 2024.
إنه، في نهاية المطاف، رجلٌ يمكن أن تختلف معه في السياسة، لكن يصعب أن تختزله في السياسة وحدها؛ لأن وراء السياسي محاميًا، ووراء المحامي حقوقيًا، ووراء الحقوقي كاتبًا، ووراء الكاتب صحافيًا، ووراء كل هؤلاء ابنُ تارودانت الذي حمل معه من البيت الأول ذاكرةً لم تستطع المناصب أن تمحوها.
وهكذا تبدو حكاية عبد اللطيف وهبي كأنها رحلة رجلٍ لم يصل إلى قلب الدولة من أقصر الطرق، بل جاء إليها محمولًا على سنواتٍ من الأسئلة: سؤال الحق، وسؤال الحرية، وسؤال العدالة، وسؤال السياسة.
وربما لهذا تحديدًا لا تكفي صورة الوزير لرسم ملامحه؛
فالرجل الذي يجلس اليوم على كرسي العدالة، أمضى نصف عمره تقريبًا يسأل، ويكتب، ويدافع، ويجادل، ويخاصم، ويصالح، ويبحث عن موقعٍ للإنسان في معادلة السلطة والقانون.
وتلك، في النهاية، ليست سيرة منصب…
بل سيرة رجلٍ صنعت منه الرحلة أكثر مما صنعه المنصب.
