
أظهرت الإحصائيات الصادرة عن المديرية العامة للأمن الوطني حصيلة ثقيلة لحوادث السير داخل المناطق الحضرية، حيث لقي 48 شخصًا مصرعهم وأصيب أكثر من 3000 آخرين بجروح، بعضها بليغ، وذلك خلال أسبوع واحد فقط (من 11 إلى 17 غشت) ، هذه الأرقام المخيفة تضعنا أمام مأساة حقيقية، وتُعيد طرح التساؤلات حول أسباب استمرار هذه الظاهرة وتأثيراتها الاجتماعية والاقتصادية، و من اهم أسباب الحوادث
تُشير المديرية العامة للأمن الوطني هو العامل البشري. فالقائمة التي ذكرتها تُظهر أن أغلب الأخطاء مرتبطة بسلوكيات السائقين والراجلين على حد سواء، وتشمل:
عدم انتباه السائقين: وهو السبب الأول والأبرز، وربما يرتبط باستخدام الهاتف أثناء القيادة أو الانشغال بأمور أخرى.
عدم احترام القوانين: مثل عدم احترام حق الأسبقية، والسرعة المفرطة، وعدم ترك مسافة الأمان.
سلوكيات خاطئة أخرى: مثل عدم انتباه الراجلين، وتغيير الاتجاه بدون إشارة، بالإضافة إلى القيادة تحت تأثير الكحول،و
لمواجهة هذه الظاهرة، تكثف مصالح الأمن الوطني جهودها من خلال عمليات المراقبة والزجر، والتي أسفرت خلال الأسبوع ذاته عن:
تسجيل أكثر من 44 ألف مخالفة.
إنجاز 6084 محضرًا وإحالتها على النيابة العامة.
تحصيل غرامات صلحية بلغت قيمتها أكثر من 8.2 مليون درهم.
سحب 6084 وثيقة وإيداع 5018 مركبة في المحجز البلدي، و
على الرغم من أهمية هذه الإجراءات، إلا أن استمرار ارتفاع عدد الضحايا يثير تساؤلات حول مدى فعاليتها وقدرتها على تحقيق الردع المطلوب، ولكن السؤال العريض الذي يفرض نفسه
هو كيف يمكن مواجهة هذا التحدي الكبير؟ بالزجر وحده لا أظن ، بل يتطلب الأمر مقاربة شاملة ومتكاملة تقوم على عدة محاور أساسية، منها
التحسيس والتوعية كإطلاق حملات تحسيسية مستمرة ومبتكرة تستهدف كافة فئات المجتمع، من الأطفال في المدارس إلى السائقين المحترفين، كما يجب أن تركز هذه الحملات على تغيير السلوكيات والعقليات تجاه السلامة الطرقية، وتوضيح المخاطر المترتبة على الأخطاء الشائعة مثل استخدام الهاتف أو السرعة المفرطة،و كذلك
ضرورة مراجعة وتحسين برامج التكوين في مدارس تعليم السياقة، والتركيز على الجانب العملي والوعي بمخاطر الطريق، بدل الاقتصار على الجانب النظري، بالاظافة الى
تحسين جودة الطرق وتأهيلها، وتركيب المزيد من علامات التشوير الضوئي والتحذيري، وإنشاء ممرات خاصة للراجلين والدراجات الهوائية والنارية، خاصة في المناطق التي تشهد كثافة مرورية عالية، و الأهم
تطبيق القانون على الجميع دون استثناء لضمان تحقيق العدالة والردع، والاستمرار استخدام التكنولوجيا الحديثة، مثل الكاميرات الذكية، لرصد المخالفات وتحديد المسؤوليات بدقة.
كما انه لا يمكن تحقيق السلامة الطرقية دون انخراط جميع الفاعلين، بما في ذلك المجتمع المدني والجمعيات المهنية ووسائل الإعلام ، حيث يمكن لهذه الجهات أن تلعب دورًا محوريًا في نشر الوعي وتقديم المقترحات والحلول، و أخيرا
تبقى حوادث السير هي مسؤولية مشتركة، ومعالجتها تتطلب تضافر الجهود بين الحكومة والمجتمع والأفراد. فهل ستنجح هذه المقاربة في الحد من هذه المأساة التي تودي بحياة العشرات كل أسبوع؟

