السر المهني: جدار منيع لا يسقط بالتقاعد

في قلب مؤسسات الدولة، لا سيما الأجهزة الأمنية مثل الدرك والأمن، تقوم العلاقة المهنية على مبدأ أساسي لا يتزعزع: الحفاظ على السر المهني. هذا المبدأ هو ركن أساسي في حماية أمن المجتمع واستقراره، وهو التزام أخلاقي وقانوني يرافق الموظف طوال مسيرته، ولا يسقط عنه حتى بعد مغادرة الوظيفة أو الإحالة على التقاعد، و
وقد أثارت تصريحات البعض من امثال هؤلاء، دركي متقاعد او رجل من رجال الامن جدلاً واسعاً بعد أن يفوموا بنشر محتويات مرئية تفشي أسراراً مهنية خطيرة تتعلق بمهامهم السابقة. هذا السلوك، الذي وصفته المنظمة المغربية لحقوق الإنسان ومحاربة الفساد بـ »غير المسؤول »، يضعنا أمام تساؤل جوهري: هل يحق لموظف دولة، بعد انتهاء خدمته، أن يفشي ما كان مؤتمناً عليه؟
القوانين المغربية، شأنها شأن القوانين في مختلف دول العالم، واضحة في هذا الشأن. فالموظف العام، بحكم منصبه، يطلع على معلومات حساسة قد تشمل تفاصيل التحقيقات الجنائية، طرق العمليات الأمنية، وحتى المعلومات الشخصية للمواطنين. كل هذه التفاصيل محمية بـمبدأ السر المهني، الذي يُفرض على الموظف حمايتها وعدم كشفها للعموم، و
إن إفشاء هذه الأسرار بعد التقاعد يشكل خطراً حقيقياً على الأمن العام. فالمعلومات التي يتم كشفها قد تستغل من قبل الخارجين عن القانون لأخذ احتياطات مسبقة، مما يعرقل جهود الأجهزة الأمنية في مكافحة الجريمة. على سبيل المثال، معرفة كيفية تدخل الضابطة القضائية في مسارح الجرائم قد يمنح المجرمين فرصة لإخفاء الأدلة أو تغيير خططهم الإجرامية، وليس كما
يدعي البعض أن مثل هذه التصريحات تندرج في إطار حرية التعبير التي يكفلها الدستور. لكن القانون يميز بوضوح بين حرية التعبير التي تخدم المصلحة العامة، وبين الانتهاكات الصريحة للقوانين التي تهدد استقرار البلاد وسلامة مواطنيها. إن التشهير بمؤسسات الدولة، وتشويه صورة العاملين فيها، وإفشاء أسرار مهنية حساسة، لا يمت بصلة إلى حرية التعبير البناءة، بل هو تحريض مباشر يعاقب عليه القانون.
إن ما يقوم به هؤلاء، حسب بيان المنظمة، ليس فقط مخالفة قانونية، بل هو أيضاً خيانة للأمانة التي أقسم عليها بحكم مهنته السابقة. فالولاء للمؤسسة والالتزام بمبادئها لا يقتصران على فترة الخدمة فقط، بل يمتدان إلى ما بعدها، حفاظاً على الثقة والمصداقية التي هي أساس عمل الأجهزة الأمنية.د، كما
أن التعامل مع مثل هذه الحالات يتطلب حزماً قانونياً. فغياب المساءلة قد يشجع آخرين على ارتكاب أفعال مماثلة، مما يهدد استقرار البلاد وثقة المواطنين في مؤسساتهم.لهذا فإن الواجب الوطني والأخلاقي يقتضي من الجميع، سواء كانوا في الخدمة أو خارجها، الالتزام بالمسؤولية والحفاظ على أسرار الوطن، لأن جدار السر المهني هو حصن منيع لا يجب أن يتصدع.