
في عالم كرة القدم الحديث، حيث تتداخل المصالح المالية والسياسية بشكل عميق، لم يعد المسار المهني للاعب يتوقف فقط على مهاراته الفردية وأدائه داخل الملعب. قصة اللاعب الدولي المغربي حكيم زياش تعد خير دليل على أن المواقف السياسية يمكن أن تكون حجر عثرة، بل وتهدد بإنهاء مسيرة لاعب في أوج عطائه. فبعد تألقه اللافت مع المنتخب المغربي في كأس العالم 2022، وتوقع الجميع أن ينتقل إلى أحد كبار الأندية الأوروبية، وجد زياش نفسه في دوامة من الصفقات الفاشلة والمضايقات الإعلامية التي تطرح تساؤلاً جوهرياً: هل كانت مواقفه السياسية سبباً مباشراً في ذلك؟ هذا ما يتضح جليا لمتتبعي مساره ،

حيث
لم يكن فشل انتقال زياش إلى باريس سان جيرمان في يناير 2023 مجرد حادث عرضي. فالصفقة التي كانت على وشك الإتمام انهارت في اللحظات الأخيرة بسبب « أخطاء إدارية » من نادي تشيلسي الذي يعلم الجميع ان الانجليز حلفاء اسرائيل ، وهو ما أثار شكوكاً كبيرة. تكرر الأمر في الصيف التالي، حيث فشل انتقاله إلى النصر السعودي رغم إصرار النادي على التعاقد معه، وظهرت تقارير متضاربة حول « عدم اجتيازه للفحص الطبي ». وعلى الرغم من أن اللاعب تمكن في النهاية من الانتقال إلى غلطة سراي التركي، إلا أن الشروط الصعبة التي وضعت في العقد، مثل بند يسمح بفسخه في حال فشل الفحص الطبي، تشير إلى وجود حذر غير مبرر تجاهه. هذه الإخفاقات المتتالية، التي تبدو وكأنها مصادفات، جعلت الكثيرين يربطون بينها وبين مواقف اللاعب السياسية.

و
في أكتوبر 2023، وبعد الأحداث الأخيرة في غزة، لم يتردد حكيم زياش في نشر تدوينة عبر حساباته على وسائل التواصل الاجتماعي يعبر فيها عن تضامنه « اللامشروط » مع القضية الفلسطينية. هذا الموقف الشجاع، الذي قام به العديد من اللاعبين العرب والمسلمين، كان له ثمن باهظ بالنسبة لزياش. فبمجرد نشره للتدوينة، تعرض لحملة إعلامية شرسة من قبل بعض الصحف ووسائل الإعلام الغربية، التي حاولت تشويه صورته وربط موقفه بتهديدات أمنية أو مواقف معادية للسامية، وهي اتهامات يرفضها اللاعبون والمدافعون عن القضية الفلسطينية. هذه الحملة لم تكن مجرد نقد عابر، بل كانت تهدف إلى عزله إعلامياً وتصويره كشخصية مثيرة للجدل، وهو ما قد يؤثر على قرارات الأندية التي غالباً ما تتجنب التعاقد مع لاعبين قد يسببون لها مشاكل سياسية أو إعلامية مع الرعاة أو الجماهير، ورغم ما قيل ويقال
لا يوجد دليل مباشر يثبت أن لإسرائيل يدًا مباشرة في إفساد صفقات زياش، لكن يمكن القول إن تأثير مواقفه السياسية يكمن في البيئة الإعلامية والسياسية الأوروبية التي تحكمها مصالح معينة. فالعلاقات الوثيقة بين بعض الدول الأوروبية، بما في ذلك بريطانيا، وإسرائيل، قد تخلق بيئة من الضغط غير المباشر على الأندية والجهات الإعلامية للتعامل بحذر مع أي شخصية عامة، مثل حكيم زياش، تعلن مواقف قوية ومختلفة عن السائد. الأندية، في سعيها لتحقيق الأرباح وحماية علامتها التجارية، قد تفضل الابتعاد عن أي لاعب قد يسبب لها صداعاً سياسياً، حتى لو كان ذلك على حساب موهبته الكروية، وقد
تكون قصة حكيم زياش مجرد سلسلة من المصادفات السيئة. ولكن في حد ذاتها مؤشراً على أن المسار المهني للاعب في عصرنا لم يعد يحدد فقط بمهاراته، بل بأخلاقه ومواقفه السياسية التي يؤمن بها، وهو ما قد يضعه في مواجهة صعبة مع عالم كرة القدم الذي أصبح يدار بقواعد سياسية واقتصادية أكثر تعقيداً من مجرد المنافسة على المستطيل الأخضر.

