
في زمن الحرب،تكون الكلمة صورة، والصورة حقيقة، والحقيقة سلاحاً لا يقل فتكاً عن الرصاص. لهذا، وفي عدوانه الوحشي على قطاع غزة، لم يوجه جيش الإحتلال بنادقه فقط نحو الأطفال والنساء والمدنيين، بل نحو حُرّاس الحقيقة أيضاً ، الصحفيات الفلسطينيات اللواتي كسرن حصار الصمت ليُسمعن صوت شعبهن للعالم. لقد أصبحن هدفاً متعمداً، في جريمة تفضح ادعاءات الغرب في « تمكين المرأة » بينما تموت نساء فلسطين تحت نيران السلاح الذي يزودونه،
مشاهد مروعة تتكشف وفقاً لتقارير منظمات حقوقية دولية ونقابات الصحفيين، حيث يشهد العدوان الإسرائيلي الحالي على غزة أعلى معدل لاستهداف الصحفيين والإعلاميين في تاريخ الصراع الحديث. و من بين هؤلاء، برزت أسماء العشرات من الصحفيات الفلسطينيات اللواتي سقطن شهداء أثناء أداء واجبهن.
· حيث استشهدت أكثر من 100 صحفية وصحفي فلسطيني في هذا العدوان، و تشكل النساء نسبة صادمة منهم. هؤلاء لم يكنّ مجرد أرقام، بل كنّ أصواتاً نابضة بالحياة، أمهات، بنات، ومحترفات يحملن كاميرا ودفتر بدلاً من السلاح.
· من بين الشهيدات، أسماء مثل شيرين أبو عاقلة (التي استشهدت في عدوان سابق وأصبحت أيقونة)، والزميلة سلام ميمونة، والمراسلة هبة عبد العزيز، والمصورة يسرى حبوب، وغيرهن الكثير ممن سقطن وهن يوثقن الدمار ويحاولن إيصال المعاناة الإنسانية للعالم، و يعتبر
الاستهداف المتعمد ، انتهاك صارخ للقانون الدولي ، و لم تكن استشهادات هؤلاء الصحفيات مجرد »أضرار جانبية ». الأدلة والتحقيقات، بما في ذلك تقارير من منظمات مثل « اللجنة لحماية الصحفيين » (CPJ) و »مراسلون بلا حدود »، تشير إلى نمط واضح من الاستهداف المباشر ، حيث قُتلت العديد من الصحفيات مع عائلاتهن أثناء قصف منازلهن، في إشارة إلى أن الاحتلال يستهدفهن بشكل شخصي، كما
تعرضت سيارات تحمل علامات « الصحفي » بشكل واضح للقصف، في انتهاك سافر لاتفاقيات جنيف التي تحظر استهداف الصحفيين. الحرمان و ما يزيد الطين بلة حظر الاحتلال دخول سترات واقية وخوذات للصحفيين في غزة، مما جعلهم أهدافاً بشكل متعمد.
فكيف تتحدث الحكومات الغربية عن حقوق المرأة وتمكينها بينما تموت الصحفيات الفلسطينيات، أقصى تجسيد للمرأة القوية والمثقفة والمؤثرة، تحت نيران الأسلحة التي تزود بها هذه الحكومات جيش الاحتلال؟
و كذلك الصمت شبه الكامل للمنظمات النسوية الغربية الرسمية والعربية تجاه هذه المجزرة يكشف عن عنصرية ومعايير انتقائية. فحياة المرأة الفلسطينية وحقها في العمل والتعبير، على ما يبدو، أرخص وأقل قيمة في نظرهم ، و لكن استشهاد الصحفيات في غزة ليس مجرد خسارة إعلامية ، إنه محاولة يائسة من الاحتلال لقتل الحقيقة وإسكات الرواية الفلسطينية. لكن دمائهن أصبحت حبراً يكتب تاريخاً لن يُنسى. لقد قدمن الدرس الأعظم في التمكين الحقيقي الذي لا يمنحه غرب متعالي، بل تنتزعه المرأة بشجاعتها وإصرارها على قول كلمتها حتى في وجه الموت. هنَّ ليس شهيدات فحسب، بل شاهدات أبديات على جرائم ارتكبت أمام العالم كله، الذي يملك كل الأدلة، ويبدو أنه يفتقر إلى الضمير.
