
أعلن مصدر حكومي أن رئيس الوزراء الفرنسي فرانسوا بايرو سيقدم استقالته إلى الرئيس إيمانويل ماكرون صباح يوم الثلاثاء الموافق 9 سبتمبر 2025. يأتي هذا القرار بعد خسارة حكومته تصويت الثقة في الجمعية الوطنية الفرنسية، مما يفتح فصلًا جديدًا من الأزمة السياسية في ثاني أكبر اقتصاد في الاتحاد الأوروبي ، و قد عقدت جلسة تاريخية يوم الاثنين 8 سبتمبر 2025، صوّتت خلالها الجمعية الوطنية (مجلس النواب) الفرنسية بسحب الثقة من حكومة بايرو، حيث صوت 364 نائبًا لصالح حجب الثقة بينما أيده 194 نائبًا فقط. وأعلنت رئيسة الجمعية الوطنية يائيل برون-بيفيه أن هذا التصويت يوجب على بايرو تقديم استقالة حكومته وفقًا للمادة 50 من الدستور الفرنسي ، و
ترجع الأزمة إلى خطة الحكومة المثيرة للجدل لكبح جماح الدين العام المتضخم في فرنسا، والتي تضمنت مقترحات بتخفيضات بقيمة 44 مليار يورو (51 مليار دولار) وإلغاء يومين عطلة وطنية. هذه الخطة قوبلت برفض واسع من جميع أطياف المعارضة في البرلمان المنقسم ، و
يعد بايرو رابع رئيس وزراء لفرنسا في ثلاث سنوات، والثاني الذي يُطاح به منذ الانتخابات المبكرة التي جرت في صيف العام الماضي. وكان سلفه، ميشيل بارنييه، قد سقط بسبب اقتراح بحجب الثقة عنه بعد ثلاثة أشهر فقط من تعيينه ،و
تأتي هذه الأزمة السياسية في وقت تعاني فيه فرنسا من تحديات اقتصادية جسيمة، حيث سجلت عجزًا عامًا نسبته 5.8% من الناتج المحلي في الربع الأول من العام، وديونًا عامة تعادل 114% من الناتج المحلي، وهي ثالث أعلى نسبة في الاتحاد الأوروبي. كما ارتفعت تكلفة الاقتراض طويل الأجل إلى أعلى مستوى لها منذ 2011، حيث وصلت إلى 4.50% للسندات التي تستحق بعد 30 عامًا ، كما أن
البرلمان الفرنسي ينقسم إلى ثلاثة كتل كبيرة: و هي اليسار، اليمين الوسط، واليمين المتطرف، ولا يتمتع أي منها بأغلبية واضحة. وهذا الانقسام يجعل عملية تشكيل الحكومة الجديدة مهمة بالغة الصعوبة ،بعد أن
وصلت شعبية الرئيس ماكرون إلى أدنى مستوياتها حسب الاستطلاعات الأخيرة، حيث أبدى 77% من الفرنسيين استياءهم من إدارته للبلاد. وطالب عدد من السياسيين رسميًا باستقالته، وقال فرانسوا روفين من اليسار إن « ماكرون فقد كل شرعيته » ، كما أعلن قصر الإليزيه أن ماكرون سيعين رئيسًا جديدًا للوزراء « في الأيام المقبلة »، وسيلتقي بايرو صباح الثلاثاء لقبول استقالة حكومته ، و قد يتوجه الرئيس إلى اليسار ، حيث حاول ماكرون إيجاد دعم من المعارضة الاشتراكية قبل التصويت. وأبدى أوليفييه فور، زعيم الحزب الاشتراكي، استعداده لمناقشة إمكانية انضمام حزبه إلى الحكومة، مع التأكيد على وجود شروط محددة لذلك ، في حين دعا حزب التجمع الوطني (يمين متطرف) إلى تنظيم انتخابات تشريعية جديدة. وكشف استطلاع للرأي أن حزب مارين لوبان سيتصدر مع حلفائه نتائج الدورة الأولى للانتخابات في حال جرت مع 33% من الأصوات ، و
قال بوريس فالود، رئيس مجموعة الحزب الاشتراكي في الجمعية الوطنية، إن حزبه « مستعد للحكم إذا طلب منه الرئيس إيمانويل ماكرون ذلك » .من جهة أخرى
تستعد البلاد لمرحلة من الاضطرابات الاجتماعية، حيث دعت حركة « مدنية » نشأت خلال الصيف على مواقع التواصل الاجتماعي تحت شعار « لنعرقل كل شيء »، وتدعمها بعض النقابات واليسار الراديكالي، إلى شل البلاد يوم الأربعاء 10 سبتمبر. كما دعت النقابات إلى يوم إضراب وتظاهرات في 18 سبتمبر الجاري، تنديداً بسياسة الحكومة وبمشروع الميزانية ،و كان
فرانسوا بايرو البالغ من العمر 74 عامًا، قد تولى منصب رئيس الوزراء قبل تسعة أشهر فقط. وهو سياسي مخضرم شغل عدة مناصب وزارية في حكومات سابقة ، و يعتبر
سقوط حكومة بايرو يمثل فصلًا جديدًا في الأزمة السياسية المستمرة في فرنسا منذ قرار ماكرون المفاجئ عام 2024 بحل الجمعية الوطنية. هذه الأزمة تغذيها انقسامات سياسية عميقة وتحديات اقتصادية ومالية كبيرة، في وقت يبدو فيه المشهد السياسي الفرنسي أكثر انقسامًا من أي وقت مضى، و ستتجه
الأنظار الآن إلى الرئيس ماكرون وقدرته على إيجاد مخرج من هذه الأزمة التي لا تؤثر فقط على الاستقرار السياسي الداخلي لفرنسا، ولكن أيضًا على مكانتها في الاتحاد الأوروبي وعلى الساحة الدولية. القرارات التي ستتخذ في الأيام المقبلة ستحدد مستقبل فرنسا السياسي والاقتصادي في الفترة القادمة.

