الصحافة الرياضية… إرث وطني لا يقبل الوصاية

تطل علينا ثقافة الوصاية بمظهرها الجديد، لتحاول أن تفرض على الصحافة الرياضية خاصة و الوطنية عامة ، واقعاً مُفروضاً لا تعرفه، وتنميطاً لأصواتها الحرة التي تشكل ضمير الملاعب ومرآة الجماهير العاكسة. فالقرار الأخير القاضي بتنصيب « جمعية الناشرين » ككيان وصيّ على الصحافة الرياضية و الوطنية عامة ، ليس سوى فصل جديد من فصول مسلسل إفراغ المشهد الإعلامي الرياضي من مضمونه، وتحجيم دوره النقدي والرقابي تحت مظلة مزيفة من « التنظيم » و »الإصلاح »،
لطالما شكلت الصحافة الرياضية المغربية مدرسة مستقلة بذاتها، لها رموزها الذين شيّدوا صرحها بحبر أقلامهم وعدسات كاميراتهم، وغذّوها بشغفهم وإخلاصهم. هؤلاء الذين عاشوا تفاصيل المباراة في المدرجات، وتنفسوا غبار الملاعب، وحاوروا النجوم ورصدوا الانتصارات والإخفاقات ، كما أنهم ليسوا بحاجة إلى « وصي » يُعلّمهم أصول مهنتهم، أو جهة غريبة عن عالمهم لتمنحهم الشرعية التي اكتسبوها بتضحياتهم وجدارتهم على مدى عقود،
إن محاولة تهميش الجمعيات المهنية الحقيقية، التي تحمل العضوية الدولية المعترف بها (AIPS)، واستبدالها بجمعية تمثل بشكل أساسي مصالح اقتصادية لتجار الإعلام، هو أمر لا يمكن تفسيره إلا في إطار خطة مُمنهجة لـ »تكميم الأفواه » وتركيز السلطة. فكيف يُعقل أن يُسند ملف الصحافة الرياضية – بكل حساسيته وتأثيره المجتمعي – إلى جهة لا تمتلك الخبرة المهنية، ولا التاريخ النضالي في الدفاع عن قضايا الصحفيين وشروط اشتغالهم؟ أليس في هذا إهانة صريحة لكل من حمل هوية الصحافة الرياضية بشرف؟
إن ما يُثار من شعارات براقة حول « الإصلاح » و »التنظيم » يبدو مجرد غطاء لمحاولة تفكيك الوحدة العضوية للجسم الصحفي، وإخضاعه لمرجعيات لا علاقة لها بجوهر المهنة. فالصحافة الرياضية ليست مجرد سلعة أو منتج استهلاكي، بل هي ركيزة من ركائز الديمقراطية الرياضية، وأداة رقابية على الأداء، وناقل أمين لصوت الجماهير ومطالبها،كما
أن الإصرار على تبني هذا النهج الإقصائي لن يؤدي إلا إلى مزيد من التشتت وإضعاف الثقة بين مكونات المشهد الرياضي الوطني برمته. فبدلاً من أن يكون الوزير الوصي راعياً للحوار الجامع، وجسراً للتواصل بين جميع الأطراف، إذا به يختار الانحياز لخيار أحادي يكرس الهيمنة ويمارس التهميش في وضح النهار، ولهذا
ونحن في هذا المنعطف الحاسم، نوجه نداءً واضحاً إلى كل الضمائر الحية في هذا البلد ، إن الصحافة الرياضية ليست ملكاً لأحد، ولا يمكن مقايضتها بمصالح ضيقة أو تسويات هشة. إنها إرث مشترك لكل المغاربة، وخط دفاع عن شفافية الرياضة ونزاهتها،
ولذلك، فإن الدعوة إلى مراجعة هذا القرار غير المتوازن ليست خياراً ممكنناً فحسب، بل هي واجب وطني وأخلاقي. فليُفتح الباب أمام حوار صريح وجاد، يعترف بالشركاء الحقيقيين، ويحترم تاريخ المهنة ورجالاتها، ويضع المصلحة العامة فوق كل الاعتبارات،
وإلا، فإن الرسالة التي ستُبعث إلى الأجيال القادمة، أن الولاء للواجهة الاقتصادية قد أصبح أهم من الاحتراف والنزاهة، وأن البطولات الرياضية قد تُربح في الميدان، لكن صوتها الحقيقي قد يُخسر في أروقة المكاتب.