التعيينات في المغرب : حين تتحكم المحاباة وتغيب الكفاءة

تعيينات المسؤولين بالمغرب: عندما تدفع المحاباة والمثالح ثمن المواطن
في كل دولة، يتوقع المواطن أن تُسند المناصب الحساسة لأشخاص مؤهلين، قادرين على إدارة القطاعات الحيوية بكفاءة. الصحة، التعليم، العدالة، الداخلية، الأوقاف، والثقافة، ليست مجالات يمكن “التلاعب بها” أو تسليمها لمجرد الولاء السياسي أو المحاباة. لكن الواقع المغربي الأخير يظهر تحويرًا صارخًا لهذه القاعدة، حيث يُلاحظ أن تعيينات الوزراء في الحكومة لا تخضع دائمًا للمعايير المهنية، بل غالبًا للمصالح المتبادلة، والمجاملات، والولاءات السياسية. الصحة والتعليم كمثال، حيث
أحدثت الحكومة الحالية موجة من الجدل بعد تعيين وزراء لا يمتلكون خلفية مهنية في القطاعات التي يشرفون عليها:
وزارة الصحة: الوزير الجديد جاء من عالم مستحضرات التجميل والأزياء، وهو بعيد تمامًا عن الخبرة الطبية أو الإدارية الصحية، مقارنة بسلفيه،
الحسين الوردي: أستاذ جامعي وطبيب أخصائي في التخدير والإنعاش وطب المستعجلات والكوارث، حتى الوزير السابق
خالد آيت الطالب الذي حصل على الدكتوراه في الطب، جراح واستاذ جامعي، ومدير سابق للمركز الاستشفائي الجامعي الحسن الثاني بفاس.
وزارة التعليم: الوزير الجديد خبير في الحلويات والأدوية، بعيد عن سياسات التعليم وإدارة المنظومة التربوية، مقارنة بسلفيه الذين كان لديهم معرفة دقيقة بكل تفاصيل القطاع.
هذه التعيينات لا تعكس مجرد “أخطاء بشرية”، بل تكشف عن خلل هيكلي في آليات الاختيار، حيث الولاء والتموقع السياسي يسبق الكفاءة المهنية، و
النتيجة المباشرة لهذا النمط من التعيين هي أن المواطن هو الذي يدفع الثمن، بسبب
تدهور جودة الخدمات في القطاعات الحيوية التي تعتمد على الكفاءات والخبرة، وعندما يُستبدل الخبراء بأشخاص لا علاقة لهم بالميدان، تتأثر جودة الخدمات الصحية، التعليمية، والثقافية، كما ان هناك استشراء الفساد والمحسوبية ، فعندما يكون الوزير غير مؤهل، يصبح كبار الموظفين أكثر قدرة على فرض أجنداتهم، وتنتشر أساليب المحسوبية والرشوة داخل الإدارة، وكذلك
ضعف الاستجابة للأزمات ، سواء كانت جائحة، أزمة تعليمية، أو قضية أمنية، فغياب الخبرة يؤدي إلى قرارات متأخرة أو غير دقيقة، مع انعكاسات مباشرة على حياة المواطنين،
في الصحة، القدرة على اتخاذ قرارات سريعة وحاسمة أثناء الأزمات مثل الجوائح أو الكوارث الصحية تتطلب معرفة دقيقة بالنظام الصحي، بالبنية التحتية، وبالتجارب السابقة. الوزير القادم من عالم بعيد عن القطاع سيكون بحاجة لتعلم كل التفاصيل، وهو ما لا يمكن أن يتحقق إلا بعد وقوع أضرار قد تكون جسيمة. أما
في التعليم، تعيين شخص لا يمتلك خبرة تربوية أو إدارية يعني استمرار المشاكل المزمنة ، ضعف المناهج، أزمة الموارد البشرية، وتراجع مستوى التعليم العام، مع انعكاسات طويلة الأمد على جودة القوى العاملة الوطنية، و
لضمان عدم استمرار هذا النمط من التعيينات، يمكن النظر في الآليات التالية،
إرساء معايير اختيار دقيقة: على أساس الخبرة والكفاءة، وليس الولاء السياسي أو المحاباة.
آليات مساءلة واضحة، منها ربط أداء الوزراء بنتائج ملموسة في القطاعات، مع تقييم سنوي من طرف لجان مختصة.
الشفافية في التعيين عبر نشر السير الذاتية وخبرات المرشحين قبل تعيينهم، لضمان مساءلة الرأي العام، و كذلك
تشجيع التدرج المهني من حيث الاستعانة بالخبراء من داخل القطاعات، وإعطاء الفرصة لمن لديهم تجربة عملية حقيقية،
التعيينات غير المستحقة في مواقع المسؤولية تهدد حياة المواطنين مباشرة. لأن القطاع الصحي، التعليم، والعدل ليست مساحات للتجارب أو المجاملات؛ إنها قطاعات حيوية تُبنى عليها حياة الأفراد والمجتمع. استمرار هذا النهج يعني تفاقم المشاكل، استشراء الفساد، وتراجع الخدمات.
الحكومة مطالبة اليوم بإعادة النظر في آليات التعيين، ووضع الكفاءة والخبرة على رأس الأولويات، قبل فوات الأوان، لأن المواطن هو الثمن الحقيقي لكل تجربة فاشلة.