حين يتحوّل صوت الحقيقة إلى متّهم وتتحوّل الأخلاق إلى سوطٍ يُجلَد به الشرفاء

ليس سقوط المهداوي ما صدم المغاربة بل سقوط من حاكموه باسم الأخلاق، لأن
ما حصل كان صفعة أيقظت الرأي العام، وجعلت المغاربة من مختلف الفئات يدركون أن ما يجري لم يعد قضية شخص… بل قضية مجتمع يرى بأمّ عينيه كيف يمكن تحويل الأخلاق إلى سلاح، والقانون إلى عصا، والنزاهة إلى شعار يُستخدم ضد من يرفض الصمت.


نعم، قضية المهداوي اليوم أصبحت قضية شعب بكامله.
فالصحفي الذي ذاق التهميش، وتعرّض للاستهداف، وواجه المحاكمات واحدة تلو الأخرى، ثم خرج أخيراً ليكشف حقائق صادمة للرأي العام… وجد نفسه أمام “لجنة أخلاقيات” تصرّ على محاكمته لا على ما كشف، بل على جرأته في كشفه.
محكمة أخلاقية لا لجنة مهنية!
فهؤلاء الذين نصبوا أنفسهم أوصياء على الأخلاق، وحرّاسًا للطهارة المهنية، تعاملوا وكأنهم يملكون سلطة التعالي على الناس، وحق تقرير من هو المهني ومن هو الخارج عن الصف.
لكن الحقيقة أن من كان بيته من زجاج… لا يرشق الناس بالحجارة.


غريب أمر البعض:
لا يناقشون الأدلة، ولا يحاورون الحقائق، ولا يقتربون من جوهر ما قاله المهداوي… بل يناقشون “حقه” في أن يقول ما قال.
يتحركون وكأنهم ملائكة نزلت لتنقذ المهنة من الانحراف، والحقيقة أنهم لم يدافعوا عن القيم، بل دافعوا عن صورةٍ مشروخة يحاولون إظهارها كاملة.
المهداوي لم يكن خصمهم بل خصم الظلم !!
و لم يفتح معركة ضد زملائه، ولم يستهدف مؤسسات، بل تحدّث عن ممارسات وانزلاقات يعرفها الجميع ويتجنب الحديث عنها الكثيرون خوفاً أو مجاملة.
أما من هاجموه، فقد اختاروا الاصطفاف لا مع المهنة، ولا مع الحقيقة، بل مع أولئك الذين أزعجهم صوته.
أي قانون هذا الذي يُستخدم فقط ضد الضعفاء؟ و
من يتحدثون اليوم عن “القانون” نسوا أن القانون يفقد معناه حين يتحول إلى أداة انتقائية، تُستخدم حين يشاء البعض، وتُغضّ عنها العين حين يتعلق الأمر بأقوياء أو مقربين أو نافذين.


أما عن “الأخلاق”، فليست أخلاقًا تلك التي تُستخدم لتكميم الأفواه، أو لتأديب من يجرؤ على فضح ما ينبغي أصلا التحقيق فيه. و
كان حريًّا بالأوصياء الجدد أن يطرحوا سؤالًا واحدًا قبل إصدار أحكامهم:
هل ما كشفه المهداوي يستحق التحقيق أم يستحق التغطية والتشويه؟
لكنهم اختاروا طريقًا أسهل: مهاجمة من كشف، بدل مواجهة ما كشف.
فالفرق بينكم وبينه فاضح
هو قدم أدلّة، وأنتم قدّمتم خطبًا.
هو فضح ممارسات، وأنتم فضحتم موقفًا.
هو واجه الواقع، وأنتم واجهتموه هو.
وكيف يُعقل أن تتحول “جريمة” فضح التجاوزات إلى جريمة أكبر من التجاوز نفسه؟
هذا منطق لا يقنع طفلًا… فكيف يقنع شعبًا تعب من التلميع فوق الخراب؟ لهذا
فهذه ليست صحافة هذا صدى
لو كان خطابكم دفاعًا عن المهنة، لصفّق لكم المواطنون.
ولو كان بحثًا عن الحقيقة، لوقف الناس إلى جانبكم.
لكنكم اخترتم لغة تُسكت لا لغة تُصحّح، ولغة تُدين الصوت الحر بدل أن تُدين العبث.
والنتيجة؟
مقالاتكم لن تطمس حقيقة انكشفت، وأقلامكم لن تغطي سماءً انشقت أمام الجميع.
والأيام كما كانت دائمًا ستثبت من كان يبحث عن الحقيقة ومن كان يبحث عن رضا أصحاب النفوذ.
وفي النهاية الحق يعلو ولا يُعلى عليه
قضية المهداوي اليوم ليست قصة صحفي صرخ بل قصة مجتمع قرّر أن يسمع.
ولجنةٍ ظنّت أنها قادرة على إسكات صوت، فاكتشفت أنها أيقظت آلافًا.