سلاح الإعلام : بين دول تُصنّع قوتها بالكلمة ودول تُضعِف نفسها بتكميمها

أصبح الإعلام بجرائده وقنواته التلفزية ومنصاته الرقمية ، المحرّك الأساسي لنهضة الدول وتقدّمها. دول كثيرة أدركت مبكراً أن الإعلام هو أداة إستراتيجية للدفاع عن مصالحها، وصناعة صورتها، وكشف مكامن الخلل داخل مؤسساتها، مهما كان حجمها أو موقعها،
لكن في المقابل، لا تزال عدد من الدول العربية تتعامل مع الإعلام بمنطق “الخوف” لا بمنطق “الاستثمار”، فبدل تطوير مؤسسات إعلامية قوية ومستقلة قادرة على حماية مصالح الوطن وتنوير الرأي العام، يتم التضييق على الأقلام الحرة، ومحاصرة المواقع الجادة، بينما تُفتح الأبواب على مصراعيها أمام إعلام مُطبِّل، لا وظيفة له سوى ترديد شعارات السياسيين، وتلميع صورتهم مقابل امتيازات لا تعود بأي فائدة على الأوطان.في حين يبقى
الإعلام الحر ، مرآة تصحّح الأخطاء لا سيف يجرح.لهذا فإن
النقد البنّاء ليس عدواً للدولة، بل حليفها الأول. فالمسؤول، أيّاً كان موقعه، لا يملك قدرة خارقة تسمح له بمتابعة كل التفاصيل. وفي غياب إعلام قوي وصادق، تصل إليه التقارير الناقصة والمعلومات المشوهة من المنتفعين والمستفيدين من الريع، فيُبنى القرار على أساس مغلوط.
كم من مشروع تعثر!
وكم من قرار فشل!
وكم من فساد تمدد!
كل ذلك
لأن الإعلام تم إخراسه، أو أُقصي لصالح صُحف تُصفّق وقنوات “تُطبّل” دون حياء؟ أما دور
الإعلام المأجور ، الذي هو صدى للسلطة لا صوت للشعب، فحدث ولا حرج ،
عندما يتحوّل الإعلام إلى بوق للمديح، وتصبح بعض الجرائد الورقية والقنوات التلفزية مجرد منصات لإعادة تدوير الخطابات الرسمية، يفقد المواطن ثقته، وتضيع البوصلة. الإعلام المأجور لا يعكس نبض الشارع، بل يكتفي برواية ما يُطلب منه، ولو كانت الحقيقة واضحة أمام الجميع.
وهذا النموذج الإعلامي لا يساهم في بناء وطن ولا في حماية مؤسسات؛ بل يضعف الدولة لأنه يخفي الحقائق، ويُحوّل الرأي العام إلى جمهور مغلوب على أمره، لا يسمع إلا ما يريد أصحاب النفوذ أن يسمعه.عكس
دول نجحت لأن إعلامها حر لا لأنه مؤدَّب.
الدول المتقدمة لم تُحقق مكانتها عبر إعلام منزوع الدسم، بل عبر صحافة شرسة، تكشف الأخطاء وتُحاسب وتُسائل، دون خوف من غضب مسؤول أو سطوة حزب. فهمت أن القوة تبدأ من الحقيقة، وأن النقد ليس تهديداً للاستقرار، بل ضمانة له.نتمنى ان تكون الرسالة وصلت ، فالوطن
لا يحتاج إلى أبواق، بل إلى بوصلة
إذا أرادت الدول العربية أن تلتحق بركب التطور، فعليها أن تدرك أن الإعلام الحر هو مواجهة الفساد تبدأ من كشفه، لا من تلميع أصحابه. وأن صوت الحقيقة، مهما كان مزعجاً، يبقى أفضل ألف مرة من صمت مُخجل يُخفي الخراب إلى أن يستفحل. و
الوطن لا تُبنيه المقالات المُمجِّدة، بل الأقلام الجريئة.
ولا تُصلحه القنوات التي تُطبّل، بل المنابر التي تجتهد لتضع الحقيقة أمام المواطن والمسؤول معاً.