بقلم عبدالرحيم بخاش

هناك لحظات في التاريخ لا تحتاج إلى ضجيج، يكفي أن يقف فيها رجل واحد بثبات ليُسكت كل الأصوات المرتجفة. واليوم، مرة أخرى، أثبت عبدالله البقالي أنه من تلك الطينة النادرة؛ طينة الرجال الذين تكبرهم المواقف، والذين مهما حاول الحاقدون تشويه حقيقتهم، تكشف الأيام صدقهم مثل الذهب حين يشتعل ولا يحترق.
فشهادة عبدالله البقالي اليوم لم تكن مجرد كلمات، بل كانت موقفًا يعجز عنه الكثيرون. كانت مرآة واضحة تُظهر الفرق بين من يختار الطريق الصعب دفاعًا عن الحقيقة، ومن يختار الاختباء خلف ضباب التردد. البقالي لم يتزين يوماً بعبارات منمقة، بل تزين بمواقفه؛ ورجولته لم تكن صدى كلام، بل أثر فعل.
لقد حاول البعض – وهم قلة – أن يشككوا في شخصية هذا الرجل، أن يبنوا ظلالًا سوداء حول اسمه، لكن المغاربة أذكى من أن يُستهدف وعيهم بهذا الشكل. يعرفون جيدًا أن الحق لا يحتاج إلى من يجمّله، وأن الباطل مهما تزين بالجمل الرنانة يبقى باطلًا. وفي “المباراة” الحقيقية التي لا تُلعب على العشب بل على أرض المواقف، يظهر المعدن الأصيل: من هو ذهب لا يصدأ، ومن هو قزدير يلمع لحظةً ويفسد فور أول امتحان.
عبدالله البقالي اليوم لم يدافع فقط عن نفسه، بل عن صورة الصحافة الشريفة، عن قيمة المبدأ، عن معنى أن تكون صحافيًا يحمل الوطن في قلبه لا في جيبه. لقد كبُر هذا الرجل في أعين المغاربة، ليس لأنه يبحث عن ذلك، بل لأن مواقفه فرضت احترامه على منصف ومخالف.
إنها شخصية تُحترم لأنها لا تُبدّل أقوالها بتبدّل الفصول، ولا تتراجع حين تصير الحقيقة مكلفة. وفي زمن الارتباك، يصبح الثبات بطولة… وفي زمن الضجيج، يصبح الصمت النزيه موقفًا… وفي زمن الحسابات الصغيرة، يصبح الكبار قلّة.
وإن كان الزمن يختبر معادن الناس، فقد نجح عبدالله البقالي في امتحان لا ينجح فيه إلا من كان ذهبًا خالصًا.
