
خرج المنتخب الوطني المغربي متعادلًا أمام منتخب مالي بنتيجة (1-1) في مباراة كشفت، رغم السيطرة الميدانية، عن إشكالات تكتيكية وهيكلية تحتاج إلى قراءة هادئة بعيدًا عن منطق الانتصار أو الإخفاق. تعادل لا يُنقص من قيمة “أسود الأطلس”، لكنه يفتح باب الأسئلة حول كيفية تدبير المباريات أمام المنتخبات المنغلقة دفاعيًا.

أولا: سيطرة بلا أنياب
منذ الدقائق الأولى، فرض المنتخب المغربي أسلوبه القائم على الاستحواذ وبناء اللعب من الخلف، مع تقدم الخطوط والضغط العالي. غير أن هذا الاستحواذ ظل في معظمه أفقيًا، محصورًا بين وسط الميدان والأطراف، دون القدرة على اختراق العمق الدفاعي المالي.
منتخب مالي اعتمد كتلة دفاعية منخفضة ومنظمة، بخطين متقاربين، ما جعل المساحات بين الخطوط شبه منعدمة، وأجبر المغرب على اللعب العرضي واللجوء إلى الحلول الفردية.

ثانيًا: دياز الحل الفردي لا الجماعي
إبراهيم دياز كان الاستثناء الواضح في الشوط الأول، اللاعب الأكثر حركة وجرأة، والقادر على كسر الرتابة الهجومية. تحركاته بين الخطوط أربكت الدفاع المالي، وتُوّج ذلك بلقطة ركلة الجزاء التي سجل منها هدف التقدم، بعد خطأ دفاعي سببه الضغط الفردي وليس جملة تكتيكية جماعية.
وهنا يبرز الإشكال: اعتماد مفرط على الحلول الفردية في غياب تنويع جماعي حقيقي في الاختراق.
ثالثًا: وسط ميدان أنيق، لكن دون اختراق
عز الدين أوناحي قدّم مباراة جيدة من حيث التمركز والتمرير وربط الخطوط، إلا أن دوره ظل محصورًا في التنظيم أكثر من صناعة الخطر. في المقابل، افتقد الوسط المغربي للاعب “كاسر للخطوط” القادر على التمرير العمودي السريع، وهو ما سهّل مهمة الماليين في قراءة اللعب وقطع المسارات.

رابعًا: الشوط الثاني تراجع التركيز وكلفة الأخطاء
مع بداية الشوط الثاني، تغيّر إيقاع المباراة. المنتخب المالي تخلّى جزئيًا عن حذره الدفاعي، مستغلًا تراجع النسق البدني للمغرب، ونجح في الوصول إلى مناطق الخطر عبر التحولات السريعة والكرات الثابتة.
ركلة الجزاء التي جاء منها هدف التعادل كانت نتيجة خطأ في التمركز وسوء تقدير داخل منطقة الجزاء، وهو ما يؤكد أن السيطرة لا تعني الأمان الدفاعي إذا غاب التركيز.
خامسًا: الركراكي والاختيارات ! قراءة في القرارات،
وليد الركراكي راهن على الاستقرار التكتيكي، لكنه تأخر نسبيًا في إجراء تغييرات نوعية قادرة على قلب المعادلة، سواء عبر ضخ دماء جديدة في الخط الأمامي أو تغيير الرسم التكتيكي لمواجهة دفاع متكتل.
المباراة أكدت أن الأسود حين تواجه منتخبات تلعب بندية أو تفتح المساحات، تبدو أكثر راحة وفعالية، لكنها تعاني أمام الفرق التي تراهن على الصبر الدفاعي وضرب الخصم في لحظة خطأ.
الخلاصة: تعادل لا يُقلق ! لكنه يُحذّر
التعادل مع مالي ليس نتيجة سلبية بقدر ما هو جرس إنذار تكتيكي. المنتخب يمتلك جودة فردية عالية، لكن المرحلة المقبلة تتطلب:
تنويع الحلول الهجومية
تسريع اللعب في الثلث الأخير
تحسين التعامل مع التحولات الدفاعية
وعدم الاكتفاء بالاستحواذ كوسيلة للسيطرة
في البطولات الكبرى، لا تُقاس القوة بعدد النجوم، بل بالقدرة على فك الشفرات المعقدة ومالي قدّمت للركراكي درسًا يجب استيعابه مبكرًا.

