استيراد التبن من البرازيل يعيد الجدل حول اختيارات السياسة الفلاحية بالمغرب

أثار توجه المغرب إلى استيراد مادة التبن من البرازيل موجة تساؤلات واسعة في الأوساط السياسية والاقتصادية، بعدما كشفت معطيات رسمية صادرة عن جهات برازيلية عن إبرام صفقات لتصدير كميات مهمة من الأعلاف نحو السوق المغربية، في خطوة اعتبرها متابعون مؤشرًا مقلقًا على عمق الاختلالات التي يعاني منها القطاع الفلاحي الوطني.
ويأتي هذا التطور في وقت لطالما قُدّم فيه المغرب كبلد ذي مؤهلات فلاحية كبرى، واستثمرت فيه الدولة مليارات الدراهم في برامج وهيكلة السياسات الزراعية، وعلى رأسها “مخطط المغرب الأخضر”، الذي سُوّق داخليًا وخارجيًا كنموذج ناجح للتحديث الفلاحي.


غير أن لجوء البلاد إلى استيراد مادة أساسية لتغذية القطيع، مثل التبن، يطرح تساؤلات جوهرية حول نجاعة تلك السياسات وقدرتها على ضمان الحد الأدنى من الأمن الغذائي، خصوصًا في ما يتعلق بتأمين الأعلاف وحماية سلاسل الإنتاج الحيواني.
ويرى خبراء أن هذا الوضع لا يمكن فصله عن تراكم اختيارات فلاحية ركزت على الزراعات التصديرية ذات القيمة المضافة العالية، مقابل إهمال منظومة الأعلاف ودعم الفلاحين الصغار، ما جعل القطاع أكثر هشاشة أمام التقلبات المناخية وتراجع التساقطات.
وتزداد حدة الانتقادات مع استحضار أن التوجهات الحالية للقطاع امتداد لمرحلة تولّى فيها عزيز أخنوش حقيبة الفلاحة لسنوات طويلة، قبل رئاسة الحكومة، وهي مرحلة رُفعت فيها شعارات الاكتفاء والاستدامة، غير أن المعطيات الميدانية تكشف اليوم عن فجوة واضحة بين الوعود والنتائج المحققة.
ولا يقتصر الاعتماد على الخارج على الأعلاف فقط، إذ أصبح المغرب خلال السنوات الأخيرة من بين أكبر مستوردي الأبقار واللحوم من البرازيل، في سياق يعكس تعثر تدبير ملف القطيع الوطني، وغياب آليات ناجعة لحمايته من الانكماش والتراجع.
ويؤكد مهنيون أن الأزمة الحالية ليست نتيجة الجفاف وحده، بل حصيلة خيارات تراكمية اعتمدت منطق الاستيراد كحل سريع، بدل الاستثمار في بناء منظومة إنتاج وطنية قادرة على الصمود أمام الأزمات.
وتنعكس هذه الاختلالات بشكل مباشر على القدرة الشرائية للمواطنين، من خلال الارتفاع المتواصل في أسعار اللحوم ومشتقات الحليب، إلى جانب الضغط المتزايد على احتياطي العملة الصعبة، في وقت يُسجل فيه متابعون استفادة فئة محدودة من شبكات الاستيراد والدعم.
وفي المقابل، يشتكي الفلاح الصغير من تراجع الدعم وارتفاع كلفة الأعلاف، وسط غياب مواكبة حقيقية تضمن استمراريته وتحفظ التوازن الاجتماعي بالمجال القروي.
ويجمع متابعون على أن استيراد التبن من البرازيل لا ينبغي التعامل معه كمعطى تقني ظرفي، بل كـرسالة إنذار قوية تستدعي مراجعة شاملة للسياسة الفلاحية، وتقييماً صريحاً لحصيلة البرامج المعتمدة، ومدى قدرتها على تحقيق السيادة الغذائية وتقليص التبعية للأسواق الخارجية.
فبين خطاب الإصلاح وواقع الاستيراد، تتسع الهوة، ويظل المواطن الحلقة الأضعف في معادلة تؤجل الحسم في أحد أكثر الملفات الاستراتيجية حساسية.