تقلب الأحوال حين تتكلم الدنيا بلغة الزوال

ما أكثر ما تُدهشنا الدنيا بتقلباتها، وما أسرع ما تكشف عن حقيقتها لمن ظنّها دار مقام لا دار ممر. فكم من إنسانٍ بلغ قمّة الثراء، تُفتح له خزائن المال، وتُفرش له الطرق، ثم لم يلبث أن ذاق مرارة الإفلاس، وانقلبت النعمة إلى عبء، والجاه إلى ذكرى.
وكم من رئيس دولة، أو صاحب سلطة، كان بالأمس القريب يأمر فيُطاع، ويصول ويجول، تحيط به الحراسات، وتتنافس المنابر في تمجيده، ثم دارت عليه الدوائر: انقلابٌ يطيح به، أو عزلٌ شعبي يُسقط هيبته، أو محكمة تُجرده من نفوذه، أو سجنٌ يُعيده إنسانًا عاديًا بعد أن كان “رقمًا صعبًا” في المعادلات.
إنها سنّة الحياة التي لا تحابي أحدًا، ولا تعترف بالألقاب.
﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ؟ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾
آية تختصر الحقيقة كلّها: الملك زائل، والقوة عابرة، والسلطة امتحان لا ضمان.
التاريخ مليء بالشواهد؛ رؤساء انتهوا بين جدران السجون، وآخرون طُويت صفحاتهم بالاغتيال أو النفي أو المحاكمات، بعد أن ظنوا أن الكرسي حصنٌ لا يُقهر. لم يشفع لهم مالٌ ولا نفوذ، لأن الزمن لا يحرس أحدًا، والدنيا لا أمان لها.
وفي المقابل، كم من إنسان بسيط عاش مستورًا، لم يعرف صخب السلطة ولا فتنة المال، فكان أسعد حالًا وأطول ذكرًا. فالقيمة الحقيقية لا تُقاس بالمناصب ولا بالأرصدة، بل بما يتركه الإنسان من أثر، وبما يحمله من عدل وتواضع وإنسانية.
إن تقلب الأحوال رسالة بليغة لكل عاقل:
لا تغترّ بما أنت فيه، ولا تشمت بمن سقط، فالدور دوّار، والقلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن. من فهم هذه الحقيقة عاش متوازنًا؛ إن أُعطي شكر، وإن مُنع صبر، وإن تولّى عدل، وإن زالت عنه الدنيا سلّم أمره لله.
هكذا تعلّمنا الأيام، وهكذا يكتب التاريخ سطوره:
الدنيا متغيّرة، والملك لله وحده، والبقاء للقيم لا للكراسي.