بين التوقير المشروع والغلو الممنوع: ظاهرة التبرك بالأضرحة وطلب البركة من معلمي القرآن

تشهد بعض المدن، و خاصة القرى والبوادي، ممارسات اجتماعية ودينية ارتبطت بتقدير معلمي القرآن ومسيري الكتاتيب والمدارس العتيقة، غير أن هذا التقدير تحوّل في حالات معيّنة إلى سلوكيات يختلط فيها المشروع بغير المشروع، من قبيل طلب “البركة” و“الشفاء” و“الرزق” من أشخاص عُرفوا بالصلاح وتعليم القرآن، ثم تحوّلت قبور بعضهم بعد وفاتهم إلى أضرحة تُزار لهذا الغرض.
وتترافق هذه الممارسات أحياناً مع تنظيم مواسم وطقوس جماعية، بل يصل الأمر في بعض الحالات إلى إحضار أبقار وأغنام وذبحها في محيط تلك القبور، اعتقاداً بأن ذلك سبب في نيل البركة وقضاء الحاجات.
لا خلاف في أن معلم القرآن له مكانة رفيعة في الإسلام، فقد ورد في الحديث: “خيركم من تعلم القرآن وعلمه”. لذلك درجت المجتمعات المسلمة على توقيرهم واحترامهم وطلب الدعاء منهم في حياتهم، باعتبارهم من أهل الصلاح والعلم.
غير أن هذا التوقير له حدود شرعية واضحة، تميّز بين الاحترام المشروع، وبين الممارسات التي تمس بجوهر التوحيد.حيث
يُجيز الفقهاء طلب الدعاء من المسلم الصالح الحي، باعتباره سبباً يرجى منه الخير، مع الاعتقاد الجازم أن النفع والضر بيد الله وحده. لكن هذا الجواز لا يعني بحال:
الاعتقاد أن الشخص يمنح البركة بذاته
أو أن له قدرة على الشفاء أو جلب الرزق
أو التعلق بقبره بعد وفاته لطلب الحاجات
فهذه الممارسات لم تكن معروفة في عهد الصحابة مع كبارهم، رغم فضلهم ومكانتهم.و
من أخطر ما يُسجّل في هذا السياق، لجوء بعض الناس إلى ذبح الأنعام عند القبور أو الأضرحة بنية التقرب ونيل البركة. وهذا الفعل محل تحريم صريح في الشريعة الإسلامية، لأن الذبح عبادة لا تصرف إلا لله.
قال تعالى:(﴿فصلِّ لربك وانحر)
والعلماء متفقون على أن الذبح لغير الله، أو في مكان يُقصد به التقرب لغير الله، يدخل في باب المحظورات العقدية، لأنه يخلّ بأصل التوحيد،(الشرك بالله ) حتى لو كان الدافع حسن النية أو العاطفة الدينية.و
يُرجع مختصون هذه الظاهرة إلى تراكمات اجتماعية وثقافية، حيث امتزج حب الصالحين وتعظيمهم بعادات شعبية قديمة، فتحولت القبور إلى فضاءات للزيارة الموسمية وطلب الحاجات، في غياب الوعي الديني الدقيق الذي يضبط هذه السلوكيات.
ومع مرور الزمن، أصبحت بعض هذه المواسم تقليداً اجتماعياً أكثر منه ممارسة دينية واعية بحكمها الشرعي.
لهذا
فإن معالجة هذه الظواهر لا تكون بالتقليل من مكانة معلمي القرآن أو الطعن في صلاحهم، بل بإعادة التمييز الواضح بين:
توقير أهل القرآن واحترامهم
وبين الغلو فيهم بعد وفاتهم والتعلق بقبورهم
فالبركة تُطلب من الله وحده، والدعاء يُطلب من الأحياء دون اعتقاد خاص في ذواتهم، أما القبور فموضع للعظة والدعاء للميت، لا لطلب الحاجات منه.و
يبقى احترام معلمي القرآن واجباً، وتقدير جهودهم في التعليم فضيلة، لكن تحويل قبورهم إلى أضرحة تُزار لطلب البركة والشفاء، أو الذبح عندها، ممارسات تحتاج إلى تصحيح وتوعية، حفاظاً على صفاء العقيدة، وتمييزاً بين الدين في نقائه، والعادات التي تسربت إليه عبر الزمن.كما أن

الإشكال لا يكمن في:
وجود الضريح
أو تمويل صيانته
أو خدمة الزوار
بل يكمن في:
الجهل المنتشر بين العامة
الخلط بين الاحترام المشروع والغلو
غياب التوجيه العلمي المستمر للزوار، و
من يسترزقون من خدمة هذه الأضرحة، أو من تُخصص لها هبات، ليسوا بالضرورة:
دعاة إلى الانحراف
ولا مقرين بالممارسات الخاطئة،
لكن تبقى الحاجة قائمة إلى:
تصحيح المفاهيم لدى الناس، مع الحفاظ على السلم الاجتماعي واحترام التاريخ الديني للمجتمع المغربي، تحت إشراف المؤسسات الدينية الرسمية.