الهدم والوعد : الدار البيضاء تكتب فصلًا جديدًا من الألم والترقّب


في الدارِ البيضاءِ…
لا شيءَ يظلُّ على حالِه طويلًا،
غيرُ الغبارِ حين يعلو فوق الوجوه،
وغيرُ الأسئلةِ حين لا تجدُ جوابًا واضحًا.
هنا…
حيثُ كانت الأزقةُ ضيقةً لكنها مأهولة،
والدكاكينُ الصغيرةُ تنبضُ بالحياة،
والبيوتُ المتلاصقةُ تحفظُ ذاكرةَ الناس،
تتقدّمُ اليومَ جرافاتُ التغيير
باسمِ “التأهيل” و“إعادةِ التهيئة”.
لكن خلفَ اللغةِ الرسمية،
هناك أمهاتٌ يجلسنَ أمامَ أبوابٍ لم تعد موجودة،
وتجارٌ يعدّون خساراتٍ لا تُكتبُ في دفاترِ التعويض،
وأطفالٌ يسألون:
أين ذهبَ الحيُّ الذي كنّا نلعبُ فيه؟
ما بين مشروعٍ كبير وواقعٍ صغير
تعيشُ بعضُ أحياءِ العاصمة الاقتصادية
على وقعِ عملياتِ هدمٍ وإعادةِ تنظيمٍ عمراني،
في إطار مشاريع تهدفُ إلى فتحِ محاورَ جديدة
وتحديثِ البنيةِ الحضرية، من بينها ما يُتداول حول
مشاريع كبرى لإعادة تشكيل قلب المدينة.
لكنّ الواقعَ على الأرض يقولُ شيئًا آخر:
سكانٌ في مواجهةِ المجهول،
بين وعدٍ بتعويضٍ لم يُحسم بعد،
ومصيرِ انتقالٍ إلى أماكنَ لا تُشبهُ ما فقدوه.

يقولُ أحدُ المتضررين بصوتٍ متعب:
“لم نكن ضدَّ التنمية… لكننا خسرنا حياتنا دفعةً واحدة.”
ويضيفُ آخرُ كان يملكُ محلًا صغيرًا:
“أُزيلَ رزقي… ولم أُعطَ ما يُعيدُ لي نفسَ الاستقرار.”
بينما يرى آخرون أن المشاريعَ ضرورية،
لكنها تحتاجُ إلى توازنٍ أدق بين التحديث والعدالة الاجتماعية،
حتى لا يتحوّل التطويرُ إلى قطيعةٍ مع الذاكرةِ العمرانيةِ للسكان. و
بين من يرى في هذه المشاريع مستقبلًا حضريًا جديدًا،
ومن يعيشُ آثارها المباشرة يوميًا،
يبقى السؤالُ معلقًا:
هل يمكنُ أن يُبنى “الغدُ الجميل”
دون أن يُترك “اليومُ” مكسورًا خلف الجرافات؟
وبما أن
الدار البيضاء اليوم ورشًا عمرانيًا مفتوحًا،
فهي أيضًا مساحةً حساسةً لصراعٍ صامتٍ
بين منطقِ التخطيطِ ومنطقِ الحياةِ اليومية للناس.
وفي قلب هذا المشهد،
يبقى السكانُ هم العنوانَ الأعمقَ للقصة:
لا يرفضون التغيير،
لكنهم يطالبون بألّا يُمحى الإنسان باسم المدينة.