
لم تكن الثقافة الأمازيغية عبر التاريخ مجرد رقصات فولكلورية أو مهرجانات موسمية تُرفع فيها الشعارات وتُلتقط فيها الصور، بل كانت ثقافة مرتبطة بالأرض والإنسان والعيش الكريم. فالأمازيغي ظل عبر القرون مرتبطاً بجباله ووديانه وحقوله ومراعيه، يدافع عنها باعتبارها جزءاً من الكرامة والهوية والاستمرار.

ومن هذا المنطلق، يرى كثير من أبناء القرى والدواوير أن الدفاع الحقيقي عن الثقافة الأمازيغية يبدأ من حماية الأرض، والوقوف إلى جانب الفلاح البسيط، والرعاة المتضررين، والسكان الذين يعيشون يومياً تحت ضغط الجفاف والتهميش واعتداءات الرعي الجائر، لا بالاكتفاء بخطابات المناسبات والمهرجانات.

ففي عدد من مناطق الجنوب الشرقي والأطلس وسوس، اشتكى السكان مراراً من مشاكل الرعي العشوائي والنزاعات المرتبطة بالمراعي وأراضي الجموع، حيث تحولت معاناة الفلاحين أحياناً إلى صراع يومي يهدد مصدر رزق الأسر القروية التي تعتمد على الزراعة وتربية المواشي. ويعتبر متابعون أن السكوت عن هذه القضايا الاجتماعية والاقتصادية يفرغ الحديث عن “الدفاع عن الثقافة الأمازيغية” من مضمونه الحقيقي.

واليوم، تعيش عدة دواوير ومناطق فلاحية على وقع خطر جديد يتمثل في اجتياح أسراب الجراد الصحراوي، الذي يلتهم المزروعات والأشجار وكل ما هو أخضر، مخلفاً خسائر كبيرة في حقول الفلاحين البسطاء الذين يواجهون أصلاً ظروفاً مناخية واقتصادية صعبة.

وفي ظل هذه الكارثة الطبيعية، يتساءل كثير من المواطنين عن دور الجمعيات والتيارات التي ترفع لواء الدفاع عن الثقافة والهوية، بينما يظل الفلاح القروي وحيداً في مواجهة خطر يهدد قوته اليومي وأرضه التي ورثها عن الأجداد.
فالثقافة الأمازيغية الحقيقية ليست فقط لغةً أو لباساً أو احتفالاً موسمياً، بل هي أيضاً حماية للأرض، وصون للمياه والغابات والحقول، ودفاع عن الإنسان القروي الذي ظل لقرون حارساً لهذه الجبال والسهول والواحات.

صور من مقبرة الرحمة ببوميا ، رغم المحهودات التي قام بها المعنيون انما في اماكن احرى الجراد يواصل حصد الأخضر و اليابس

إن المرحلة الحالية تفرض توجيه الاهتمام نحو القضايا الجوهرية التي تؤرق الساكنة، وعلى رأسها حماية المجال الفلاحي، والتصدي للجراد، ودعم الفلاحين المتضررين، وإيجاد حلول عادلة للنزاعات المرتبطة بالمراعي، لأن الحفاظ على الأرض هو في النهاية حفاظ على الذاكرة والهوية والاستقرار الاجتماعي. كما أن
السنوات الأخيرة شهدت محاولات متزايدة من بعض التيارات الحداثية المتطرفة والجماعات المدافعة عن المثلية والانحلال الأخلاقي لربط بعض المظاهر والسلوكيات الدخيلة بالثقافة الأمازيغية، خصوصاً خلال بعض التظاهرات الشعبية المرتبطة بمواسم “بوجلود” أو “بلماون”، في محاولة لتقديمها للرأي العام على أنها تعبير “تحرري” أو “هوية ثقافية” متجذرة، وهو أمر يرفضه كثير من أبناء المناطق الأمازيغية أنفسهم.
فثقافة “بوجلود” في أصلها الشعبي كانت مرتبطة بالفرجة الجماعية والاحتفال بعد عيد الأضحى، حيث يتم ارتداء جلود الأضاحي في أجواء احتفالية بسيطة ترمز إلى الفرح والتقاسم الاجتماعي، ولم تكن يوماً مرتبطة بالدعوات إلى الانحلال أو طمس القيم الأخلاقية والدينية التي عُرف بها المجتمع المغربي الأمازيغي عبر القرون.
كما أن محاولة إلصاق ممارسات مستفزة أو طقوس غريبة أو رموز مرتبطة بما يسمى “عبادة الشياطين” بالثقافة الأمازيغية، يعد ظلماً تاريخياً وتشويهاً لتراث عريق ظل متشبثاً بالإسلام وبقيم الاحترام والحياء والتماسك الأسري. فالأمازيغ كانوا من أوائل الشعوب التي احتضنت الإسلام ودافعت عنه، وأسهموا في بناء حضارات ودول عظيمة امتد تأثيرها إلى الأندلس وإفريقيا.
إن الدفاع عن الثقافة الأمازيغية لا يعني تجميدها أو منع تطورها، لكنه في المقابل يقتضي حماية جوهرها من كل محاولات التوظيف الإيديولوجي أو الاستغلال الإعلامي الذي يسعى إلى اختزالها في صور صادمة أو سلوكيات فردية معزولة لا تمثل عمقها الحضاري.
واليوم، أكثر من أي وقت مضى، تبدو الحاجة ملحة إلى إعادة الاعتبار للثقافة الأمازيغية الحقيقية، القائمة على الفن الأصيل، والشعر، والحكمة الشعبية، وروح التضامن، والارتباط بالأرض والإنسان، بعيداً عن كل محاولات التشويه أو الاستفزاز التي لا تخدم التراث ولا المجتمع.
فالأمازيغية كانت وستظل جزءاً أصيلاً من هوية المغرب المتعددة، وهويةً ضاربة في عمق التاريخ، لا تختزلها مهرجانات مثيرة للجدل، ولا تعبر عنها تصرفات دخيلة يحاول البعض فرضها باسم الحداثة أو الحرية الفردية.

