زوجة الظلمي تكشف المستور… أين اختفى الجميع؟

بقلم عبدالرحيم بخاش

عندما يغيب المايسترو… ويغيب معه الوفاء
غاب المايسترو عبد المجيد الظلمي، وغابت معه أشياء كثيرة لم تكن مجرد رجل حمل قميص المنتخب الوطني أو لاعب كرة قدم أبدع فوق المستطيل الأخضر. غاب رجل نقش اسمه بحبر من ذهب في ذاكرة المغاربة، وترك وراءه سيرة من العطاء لا تستطيع السنوات محوها ولا الأجيال تجاوزها.
كان الظلمي، رحمه الله، عنوانًا للكرم الإنساني قبل أن يكون عنوانًا للمهارة الكروية. كان بيته مفتوحًا للناس، وقلبه مشرعًا لكل صاحب حاجة. كم من شخص طرق بابه فلبّى النداء دون تردد، وكم من محتاج وجد فيه سندًا يوم عزّ السند. كان جسراً يعبر فوقه الكثيرون نحو مصالحهم وأهدافهم، بعضهم وصل إلى ما أراد، ثم نسي الجسر الذي أوصله.
وأنا أتابع الحلقة التي أعدها الزميل حسن البصري على قناة « تيل ماروك »، في حوار مؤثر مع زوجة الراحل، لم أكن أستمع إلى قصة أسرة فقط، بل كنت أستمع إلى شهادة موجعة عن زمن فقد ذاكرته. كانت كلماتها تحمل وجع امرأة صدقت الوعود، وانتظرت الوفاء، فإذا بها تصطدم بجدار الصمت والنسيان.
تحدثت عن وعود كثيرة رُسمت لها ولأبنائها بعد رحيل المايسترو. وعود جعلتها تحلم بمستقبل يحفظ كرامة أسرة رجل أعطى للوطن أكثر مما أخذ منه. لكن الأحلام تبخرت، وتحولت الكلمات الرنانة إلى سراب، وبقيت الأسرة تواجه وحدها قسوة الأيام.
المؤلم ليس الفقر، فالفقر قدر قد يطرق أبواب الجميع. المؤلم هو فقر الوفاء. المؤلم أن يتحول الذين كانوا بالأمس يتسابقون إلى التقاط الصور بجانب الظلمي، ويتباهون بمعرفته، إلى غرباء بعد رحيله. المؤلم أن نرى مسؤولين يتصدرون الصفوف الأمامية في كل مناسبة، يتحدثون عن التاريخ وكأنهم صانعوه، بينما يعجزون عن الوفاء لرمز ساهم فعلاً في كتابة ذلك التاريخ.
كم من مسؤول رفع شعارات التكريم ولم يطرق باب عائلة الظلمي؟ كم من مسؤول تحدث عن الاعتراف بالجميل، ثم اختفى عندما أصبح الجميل واجبًا لا خطابًا؟ وكم من مسؤول يجيد صناعة المناسبات أكثر مما يجيد صناعة المواقف؟
إن قيمة الأمم لا تُقاس بعدد الملاعب التي تبنيها، ولا بحجم الاحتفالات التي تنظمها، بل بمدى وفائها لرجالها بعد أن تنطفئ الأضواء. فالتكريم الحقيقي لا يكون بالورود والخطب والكلمات المنمقة، بل بأن يشعر أبناء الراحل أن الوطن الذي خدمه والدهم لم ينسهم.
لقد رحل عبد المجيد الظلمي، لكن السؤال الذي تركه خلفه ما زال معلقًا في ضمير الجميع: ماذا نفعل بأبطالنا بعد أن تنتهي التصفيقات؟
ومن أراد أن يقترب من الحقيقة بعيدًا عن البلاغات الرسمية وصور المناسبات، فما عليه إلا أن يشاهد حلقة حسن البصري على « تيل ماروك »، حيث تتحدث زوجة المايسترو بلغة الألم الصادق، وتروي كيف يمكن للنسيان أن يكون أقسى من الرحيل نفسه.
رحم الله عبد المجيد الظلمي… المايسترو الذي لم يخذل الناس وهم أحياء، بينما خذله كثيرون بعد أن صار ذكرى