
تجاوزت الأحداث الأخير المتمثلة في موجة التدفق الجماعي غير المسبوقة عبر الحدود نحو مدينة سبتة أبعادها الإنسانية والديموغرافية المجردة، لتفتح باب النقاش حول كيفية تقاطع الهشاشة الاجتماعية الداخلية مع معادلات السياسة الدولية والإقليمية المعقدة. و
بين الأرقام الصادمة للشباب الراغبين في العبور، والردود السياسية المتباينة بين مدريد والرباط وعواصم القرار الدولي، ترتسم قراءة مختلفة تشير إلى أن الحدود والملفات الجيوسياسية باتت شرياناً حيوياً لإرسال الرسائل واختبار التوازنات.
حيث
تُظهر دراسات وتقارير المندوبية السامية للتخطيط والبنك الدولي عمق الأزمة الاقتصادية وتداعياتها على الفئات الهشة والمعدمة، حيث تراجعت المؤشرات التنموية لتعيد تقييم مكاسب محاربة الفقر سنوات إلى الخلف. إلا أن التساؤل الميداني يُطرح حول التوقيت والتسهيل الآني لتجمع وتسرب آلاف الشباب في وقت زمني قياسي نحو نقاط الحدود. وقد أثبتت الأزمات الحدودية المتعاقبة في منطقة غرب البحر الأبيض المتوسط أن تدفقات الهجرة لم تعد مجرد مظاهر هروب تلقائي، بل تُصنّف أحياناً ضمن أدوات « الضغط الهجين » التي تُستخدم لإعادة ترسيم حدود التعاون وتعديل قواعد اللعبة الأمنية والاقتصادية مع الاتحاد الأوروبي.
فبينما أظهرت الحكومتان في مدريد والرباط تنسيقاً أمنياً معلناً لإعادة التدفقات، كشفت سرعة التطورات عن وجود تباين في القراءة السياسية بين الحاجة إلى دعم أوروبي في توزيع الأعباء، وبين امتصاص الغضب الداخلي. كما
تسعى بعض التحليلات الجيوسياسية لتفسير الأحداث عبر ربطها بتوترات سياسية بين واشنطن خاصة خلال تقلبات الإدارات الأمريكية ونهج ترامب القائم على مبدأ « أمريكا أولاً » وعواصم أوروبية مثل مدريد،
من خلال الموقف الإسباني المستقل في ملفات الطاقة أو القضية الفلسطينية يضعه أحياناً في تعارض مع التوجّهات الأمريكية أو الإسرائيلية المتشددة. ومن هذا المنظور، تجد مدريد نفسها أمام ضغوط غير مباشرة لتغيير مواقفها السياسية أو الاعتماد بدرجة أكبر على الحلفاء الإقليميين.مما جعل امريكا
تستغل نقطة الضعف الإسبانية، التي تُشكّل جيوب سبتة ومليلية الثغرة الجغرافية والسياسية الأكثر حساسية لإسبانيا وللاتحاد الأوروبي. وبالتالي، فإن القلاقل الحدودية على أطراف أوروبا تشكل وسيلة فعالة لإرباك الحكومة الإسبانية واختبار مدى تماسك موقفها الداخلي والدولي. و هناك ايضا
معادلة « اتفاقيات أبراهام » والجدار الأمني الإقليمي
فعند التوسع في تحليل المحور الإقليمي، تُطرح فرضية دور « اتفاقيات أبراهام » واستراتيجية إعادة تشكيل منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، و
تهدف الاستراتيجية الأمريكية-الإسرائيلية المرتكزة على الاتفاقيات الإبراهيمية إلى تقوية شبكة من الشركاء حلفاء واشنطن (مثل المغرب، الأردن، والإمارات) لتشكيل حزام أمني وسياسي متماسك يقف في وجه محاور المقاومة أو النفوذ المنافس.
كما تبحث إسرائيل عن تعميق شراكتها الأمنية والعسكرية مع دول المنطقة لضمان عمق استراتيجي يمنحها الشرعية الإقليمية والحماية من عزلة دولية متزايدة، لا سيما في ظل تصاعد الانتقادات الأوروبية (ومن بينها إسبانيا) لسياساتها في الأراضي الفلسطينية.
في مقابل الدعم السياسي والعسكري والاعتراف بالملفات الترابية السيادية، تُطالب هذه الدول بالمساهمة في تحقيق الاستقرار الإقليمي وموازنة الضغوط الخارجية، وهو ما يُفسَّر أحياناً بوجود تنسيق أو ضغوط غير معلنة لإعادة توجيه ملفات الساخنة. لهذا فإن
ما جرى على مسرح الأحداث الحدودية ليس مقطوعاً عن السياق الاجتماعي المحتدم في بلادنا ، لكنه في الوقت ذاته لا ينفصل عن صراع الإرادات الدولي. وبينما تدفع الفئات الاجتماعية الهشة فاتورة الانسداد التنموي، تبقى ورقة الحدود والهجرة إحدى أدوات الشطرنج السياسي الأكثر تعقيداً على طاولة المحاور الإقليمية والدولية.
