
تشهد الساحة الإعلامية ومنصات التواصل الاجتماعي في الآونة الأخيرة نقاشاً محتدماً، طفا على سطحه سجال غير مسبوق بين الجسم الإعلامي، ممثلاً في العديد من الصحفيين والمنتمين للجمعية الوطنية للإعلام والناشرين، وبين السيد محمد أوزين، الأمين العام لحزب الحركة الشعبية. هذا السجال يتجاوز في عمقه مجرد ردود أفعال متبادلة، ليطرح تساؤلات جوهرية حول حدود النقد السياسي، ومحاولات تبخيس دور « السلطة الرابعة » كلما سلطت الضوء على مكامن الخلل.
وبصفتنا جزءاً من هذا الجسم الإعلامي، وبعيداً عن لغة الانفعال أو الانجرار خلف نقاشات عقيمة، نرى لزاماً علينا مقاربة هذا الموضوع بموضوعية وتجرد، ليس اصطفافاً أعمى للدفاع عن السيد إدريس شحتان—فهو في غنى عن ذلك في ظل وجود ترسانة قانونية ومؤسسات قضائية هي الضامن الوحيد للحقوق—بل دفاعاً عن شرف المهنة، وإحقاقاً لكلمة الحق في وجه سيل من الاتهامات المجانية.و
لقد واجه المنبر الإعلامي الذي يديره السيد شحتان اتهامات قاسية وصلت حد نعته بصفات لا تليق بالقاموس السياسي والأخلاقي، ومحاولة وصمه بـ « الفساد ». لكن القراءة المتأنية والمحايدة لمسار هذه المؤسسة تكشف حقيقة يعلمها الجميع، بمن فيهم خصومها: إن هذا المنبر اختار نهجاً تحريرياً جريئاً، وانحاز لهموم المواطنين وصوت الفئات الهشة.كما أن
هذه المؤسسة لعبت دوراً حاسماً في كشف العديد من الخروقات، وفضح الانتهازيين والمفسدين الذين توهموا يوماً أنهم فوق المساءلة أو أن فضائحهم لن تتجاوز جدران مجالسهم المغلقة. هذا النهج الميداني هو ما يفسر الالتفاف الجماهيري الواسع وتحقيق أرقام متابعة قياسية بالملايين. ومن الطبيعي أن هذا النجاح في كشف الحقائق—بما فيها العلاقات المشبوهة أو الاستيلاء على الملك العام أو الاعتداء على حقوق البسطاء ، سيخلق أعداءً للمؤسسة ولمديرها، يزعجهم أن تتحول القناة إلى « صوت للشعب » وملاذ لمن لا منبر له.
أما فيما يخص الاتهامات الشخصية البالغة الخطورة التي تم توجيهها للأستاذ شحتان، والتي طالت العرض والشرف، ووصلت حد الادعاء باستغلال القاصرين وتكوين ثروات، فإن الرد المهني والوحيد عليها يتلخص في قاعدة ذهبية: البينة على من ادعى.
إن رمي الناس بالباطل في دولة الحق والقانون، ومحاولة تصفية الحسابات عبر استهداف الذمم، ليس برنامجا سياسياً ولا بديلاً عن الحوار الجاد. سمعة وشرف رئيس جمعية تمثل ناشري الإعلام في البلاد ليستا مادة للمزايدات أو الاستئناس في اللقاءات الحزبية. من يملك دليلاً قاطعاً على ادعاءاته، فمكانه الطبيعي هو ردهات المحاكم والنيابة العامة، لا منصات التواصل الاجتماعي. وإذا كان القانون فوق الجميع، كما يؤكد الأستاذ شحتان في تدوينته، فإنه سيُطبق بحذافيره على المدعي والمدعى عليه متى ما قُدمت البراهين، أما غيابها فيجعل من تلك التصريحات مجرد تشهير يعاقب عليه القانون. و كما هي العادة عند بعض
الفاعلين السياسيين محاولة استغلال مواقعهم التمثيلية أو الإيحاء بأنهم فوق المساءلة، هي محاولة يائسة للهروب من المحاسبة الشعبية والإعلامية. إن مهاجمة الصحافة لن تمحو من ذاكرة المغاربة الإخفاقات التدبيرية السابقة، ولعل واقعة « الكراطة » الشهيرة ، التي يحاول البعض اليوم تحويلها بعبثية إلى مبعث فخر ، ستظل شاهداً حياً على مرحلة من سوء التدبير الرياضي والسياسي الذي كشفته الصحافة ورفضه الشارع.و
ختاما ، ستظل الصحافة الحرة والجريئة تقوم بدورها الدستوري والمجتمعي في انتقاد السياسيين وتتبع أخطائهم وفضح تجاوزاتهم دون محاباة. وإن محاولات الإسكات والترهيب بالسب والقذف لن تزيد الجسم الإعلامي إلا تماسكاً وإصراراً على البحث عن « الخبر اليقين »، تاركين ساحة المهاترات لمن يفتقدون لحجة المنطق وقوة البرهان.

