الجزائر بين الوهم والحقيقة

بقلم عبدالرحيم بخاش

القوة الضاربة التي لم نرَ لها أثرًا

لطالما سعت الجزائر إلى رسم صورة لها كقوة ضاربة في شمال أفريقيا، مقدمة نفسها للعالم كفاعل إقليمي لا يُستهان به. غير أن الأحداث الجارية على أرض الواقع تكشف عن فجوة شاسعة بين هذه الادعاءات الممجدة وبين الحقائق الملموسة التي نراها اليوم.

في خضم الأزمة الليبية المتفاقمة، ومع تصاعد التوترات التي أثارها اللواء خليفة حفتر بتحركاته العسكرية الأخيرة، كانت التوقعات تشير إلى أن الجزائر، بحكم موقعها الجغرافي وقوتها المزعومة، ستبادر إلى اتخاذ موقف حاسم يعكس قوتها المدعاة. ولكن المفارقة كانت في أن هذه « القوة الضاربة » اختارت التزام الصمت والانعزال، وكأنها خارج نطاق التأثير تمامًا.

لطالما كانت الجزائر تصدّر للعالم خطابات رنانة وشعارات زاخرة بالوعد والوعيد، مصورة نفسها كحصن منيع، قادر على التدخل وفرض الاستقرار في أي وقت شاء. ولكن ما نراه اليوم ليس سوى وهمٍ سقط أمام اختبار الواقع. الجزائر، التي طالما تباهت بقوتها العسكرية والسياسية، تبدو الآن كمن يتوارى عن الأنظار، يراقب من بعيد دون أن يجرؤ على القيام بأي خطوة تُثبت فعليًا ما تتشدق به من ادعاءات.

الجزائر، التي طالما رأت في نفسها زعيمة إقليمية، تجد نفسها اليوم عاجزة عن مواجهة التحديات الفعلية التي تفرضها التطورات على الساحة الليبية. الصمت الذي لاذت به الجزائر في مواجهة تهديدات حفتر يعكس بوضوح ترددها وضعف قدرتها على التأثير في مجريات الأحداث، ما يثير تساؤلات جدية حول مدى حقيقة ما تدعيه من قوة ونفوذ.

لقد آن الأوان لأن تُدرك الجزائر أن القوة ليست مجرد شعارات تُردد على المنابر، بل هي قدرة فعلية على التأثير وتوجيه الأحداث نحو مسار يخدم المصالح الوطنية. وما نراه اليوم من الجزائر لا يعكس إلا التناقض بين ما تدعيه وبين ما هي عليه في الواقع، دولةٌ تبحث عن دور أكبر من إمكانياتها، في حين يثبت الواقع أن قوتها المزعومة ليست سوى سراب في صحراء التحديات الحقيقية.

وفي الختام، قد يكون من الضروري للجزائر أن تعيد النظر في ادعاءاتها وتفحص بجدية دورها الحقيقي في المنطقة. لأن العالم لم يعد يقبل بالشعارات الرنانة والخطابات الجوفاء، بل ينتظر الفعل والتأثير. وهنا يتجلى الفرق بين القوة التي تُستخدم بحكمة واقتدار، وبين تلك التي لا توجد إلا في الخيال.
.