الجزائر بين حلم الدولة المدنية وسلطة الجنرالات

بقلم عبدالرحيم بخاش

الجزائر بين حلم الدولة المدنية وسلطة الجنرالات

منذ نيل الجزائر استقلالها عن الاستعمار الفرنسي عام 1962، ظلت السلطة الحقيقية في البلاد رهينة المؤسسة العسكرية، حيث لعب الجنرالات دورًا محوريًا في رسم معالم السياسة وتوجيه دفة الحكم، في ظل غياب فعلي لحكم مدني ديمقراطي قادر على تمثيل إرادة الشعب.

هيمنة الجنرالات على السلطة

رغم وجود مؤسسات مدنية من برلمان وحكومة ورئاسة، فإن القرارات الحاسمة في الدولة لا تزال تصدر من خلف الكواليس، من غرف القيادة العسكرية. الجنرالات يملكون أدوات القوة: الجيش، المخابرات، ووسائل الإعلام الرسمية. أي رئيس مدني لا يمر عبر « غربال » المؤسسة العسكرية يواجه التهميش أو الإقصاء، كما حدث مع الرئيس الراحل محمد بوضياف.

فزاعة « العدو الخارجي »

من أبرز أدوات الجنرالات للبقاء في الحكم هو خلق « عدو خارجي » دائم. تم التلاعب بالرأي العام طيلة عقود من خلال شيطنة دول الجوار أو تصوير تهديدات غير موجودة، لتبرير القمع، وشرعنة الحكم الأمني، وتوجيه أنظار المواطنين بعيدًا عن المشاكل الداخلية الحقيقية مثل البطالة، الفقر، وسوء التعليم.

بعد أن تم استخدام المغرب لعقود كعدو تقليدي، وُجهت البوصلة نحو مالي بحجة مكافحة الإرهاب، ثم لاحقًا إلى الإمارات، في محاولة لتبرير الأزمات المتكررة والسياسات الاقتصادية الفاشلة، بينما الشعب ينزف من خيرات بلاده.

أين تذهب ثروات البلاد؟

الجزائر من أغنى دول إفريقيا من حيث الموارد الطبيعية، وعلى رأسها الغاز والنفط، لكن هذه الثروات لم تنعكس على معيشة المواطن. ثمة نزيف اقتصادي ممنهج يخدم شبكات النفوذ المرتبطة بالجنرالات. اقتصاد الريع وتوزيع الامتيازات لدوائر مغلقة أدى إلى تفشي الفساد واستمرار الأزمة الاجتماعية.

الشعب بين الوعي والاستسلام

الحراك الشعبي الذي اندلع في 2019 مثّل انتفاضة وعي جماهيري ضد هذا النمط من الحكم، ورفع شعار « مدنية ماشي عسكرية ». لكن النظام تعامل مع هذا الحراك بالالتفاف والوعود الزائفة، مع استمرار القبضة الأمنية والإعلام الموجه.

نحو مستقبل مدني؟

إن مستقبل الجزائر رهين بتحقيق دولة القانون، وتفكيك منظومة الحكم العسكري، وبناء مؤسسات تحاسب وتعكس الإرادة الشعبية. الطريق ليس سهلاً، لكن وعي الشعب يتنامى، والجنرالات مهما طال حكمهم، لن يتمكنوا من كبح التغيير إلى الأبد.