بقلم عبدالرحيم بخاش

إدريس شحتان… وطني حتى النخاع
في زمن باتت فيه الحقيقة عملة نادرة، يظل إدريس شحتان أحد الأصوات القليلة التي اختارت أن تسير عكس التيار، أن تكتب بالقلم لا بالهوى، وأن تدفع ثمن الكلمة الحرة مهما كان الثمن. رجلٌ لم يتردد في التضحية بحريته، لا بحثاً عن مجد شخصي ولا سعياً وراء شهرة زائلة، بل دفاعاً عن قناعة راسخة وحق لا يسقط بالتقادم.
لقد دخل السجن ذات يوم، لا لشيء سوى لأنه قال الحقيقة، وعندما كان خلف القضبان، لم يكن حوله سوى الصمت. تخلّى عنه الكثير، وتوارى البعض خلف شعارات زائفة. لكنه لم يتراجع، لم يساوم، بل خرج أقوى، أكثر إيماناً بأن طريق الدفاع عن الوطن لا يمر عبر المديح، بل عبر النقد الشريف والموقف الصلب.
اليوم، حين صدح بالحقيقة من جديد، وحين أشار إلى الجرح، إذا به يُتهم بأنه عدو للوطن! يا لسخرية القدر! متى كان الذكاء والتبصّر في مصلحة الوطن خيانة؟ متى صار من يعرف الحقيقة ويحاول تصحيح المسار خصماً لا شريكاً؟
إن إدريس شحتان، بعقله المتّقد وقلبه الملتصق بتراب هذا الوطن، لم يطلب شيئاً لنفسه. كل ما فعله هو أنه اختار أن يسلك الطريق الأصعب: طريق الوطنية الحقيقية، لا المزيّفة، طريق النقد لا التطبيل، طريق البناء لا الهدم. أراد فقط أن يُسلب الطريق الصحيح من أجل الوطن، أن يُعيد البوصلة إلى اتجاهها الطبيعي.
لقد عُرف شحتان كصاحب أقوى جريدة، لأنها لم تكن تبيع الوهم، بل تفتح العيون. وبهذا، أصبح هدفاً لأعداء الكلمة، ولأولئك الذين يلبسون ثوب الوطنية نهاراً ويطعنونها ليلاً.
لكن نقولها اليوم، وبملء الصوت: إدريس شحتان وطني حتى النخاع، مهما حاولوا تشويه صورته، سيبقى في نظر الأحرار صوتاً لا يُسكت، ورجلاً لا يُشترى، ومدرسةً في الصحافة الحرة الصادقة.
