بقلم عبدالرحيم بخاش

في كل زاوية، على كل شاشة، وفي كل بث مباشر… ميكروفونات تتكاثر كالفطر، تصرخ بلا منطق، تسأل بلا وعي، وتُضحك الناس على أنفسهم دون رحمة. هل هذه صحافة؟ أم سرك صغير على قارعة الوطن؟ متى تحوّل الصحفي إلى « مهرّج متنقل »، يحمل ميكروفونه كمن يحمل عصا سحرية لتفجير التفاهة في وجوه العباد؟
في الماضي، كان الصحفي يُحسب له ألف حساب، لأن وراءه ثقافة، مبادئ، ضمير. واليوم؟ كل من حمل ميكروفونًا، لبس نظارات شمسية وصرخ « قول شي حاجة للكاميرا »، صار « إعلاميًا »، « مؤثرًا »، « مناضلًا »… لا فرق بينه وبين من يبيع الأوهام في الأسواق.
الصحفي الرديء لا يبحث عن الحقيقة، بل عن « بوز »، لا يسأل ليعرف، بل ليُحرج، لا يُعدّ تقريرًا، بل حفلة إذلال مباشرة على الفيسبوك أو التيك توك.
نوع جديد من « الصحافة » اجتاح الشارع: ميكروفون بألوان زاهية، وكاميرا تهتز، وصوت يسأل:
« شنو رأيك في الناس اللي كيديرو داكشي؟ »
« واش كتلبسي السوتيان ولا لا؟ »
« شحال دخّلك فالشهر؟ »
أسئلة لا تُحترم، ولا تحترم. تقتحم الخصوصية بلا إذن، تبحث عن الرد الصادم لا الصادق، تفتّش عن الضحك الرخيص لا الفكرة العميقة.
من يظن أن هذه الرداءة مجرد صدفة فهو واهم. إنها استراتيجية ممنهجة لقتل الوعي. حين يتحول المواطن من فاعل إلى موضوع سخرية، حين تفرغ الشوارع من النقاشات الجادة ويحل محلها عبث ميكروفوني، فاعلم أن العقول تُغتال تحت تصفيق الجماهير.
التفاهة تنتج جمهورًا تابعًا، هشًّا، لا يسأل عن الفساد، بل عن « السكرتيرات »، لا يهتم بالبطالة، بل بمن تزوّج من، ولا يثور للظلم، بل يضحك على من « خرج تبانُو ».
اذن اين أين النقابة؟ أين الميثاق؟ أين مدوّنة الشرف؟
أم أن الشرف الإعلامي أيضًا سُرِق مع أدوات التصوير؟
بعض هؤلاء لا يحملون لا بطاقة صحافة ولا شهادة تكوين، فقط بطاقة ذاكرة مليئة بالمشاهد المحرجة للناس البسطاء. يُرعبون الكبار، ويحرجون الصغار، ويستمتعون بإذلال كل من يقع أمام عدستهم.
فكفى عبثًا. كفى استهزاءً بالشعب. كفى تصويرًا للناس كأنهم قطيع غبي.
نريد صحافة تحترم عقل المواطن، لا تستهزئ منه. نريد ميكروفونات تنقل الآراء لا العورات. نريد إعلاميين ينيرون، لا يثيرون.
لا نريد صحافة تسأل العجائز عن ملابسهن الداخلية، ولا تقتحم غرف النوم بحجة السبق الصحفي. نريد صحفيين حقيقيين، لا صائدي فضائح.
فالوطن لا يحتاج مزيدًا من التفاهة، بل من يطهره منها.
والميكروفون، إن لم يُستخدم لصوت الحق، يصبح أداة إذلال وصناعة جهل.
فإما أن نعيد الاعتبار للصحافة… أو نغرق في بحر « كور واعطي لعور ».
