اللهم البحر  وماجو، ولا الصحافي وخماجو

بقلم عبدالرحيم بخاش



ما أشدّ وقع الكلمات حين تولد من رحم القهر، وما أبلغ التعبير حين يكون من فمٍ اكتوى بشرّ « صحافي » لا يحمل من الصحافة إلا الاسم، ومن القلم إلا السواد.
نعم، اللهم البحر وماجو، ولا الصحافي وخماجو؛ فموج البحر على شدّته أرحم من صحافةٍ صارت مرتعًا لكل ساقطٍ متسلّق، يبيع ضميره مقابل ظرف رخيص 200 درهم ، لا تكاد تكفي لكرامة إنسان، فكيف بمن يفترض فيه أن يكون لسان الحق وقلم الأمة؟
صرنا نعيش زمن « الشناقة الإعلاميين »، زمنٌ صار فيه الصحافيُّ سلعةً تُباع وتُشترى، لا رسالة يحملها، ولا مبدأ يحميه، سوى أن يتلوّن كالحرباء، ويلعق أقدام من يدفع أكثر. ترى الواحد منهم ينتقل من مائدة إلى أخرى، ومن موقف إلى نقيضه،، يُغيّرها مع كل فصلٍ جديد.
أين الشرف الصحافي؟
أين المهنية؟
أين ذاك القلم الحرّ الذي يوجّه النقد لا لغاية الابتزاز، بل لإصلاح الخلل؟
أين ذاك الصحافي الذي كان يُسجن من أجل كلمة، لا من أجل « كلمة سر » لحساب بنكيّ منتفخ؟
لقد دنّست الصحافة بأقلامٍ تافهة، مستأجرة، تفتقد إلى عمق الفكرة ونبل الغاية. أقلام تعيش على فتات الفضائح، وتقتات من تشويه السمعة، لا تسأل عن الحقيقة، بل تبحث عن الإثارة. ترى أحدهم يلوّث الورق بكذبٍ مفضوح، ثم يمضي مزهوًّا بما كتب، كأنّه فتح مبين، وهو لا يدري أنه حفر قبر مهنته بيده.
هؤلاء لا يملكون قضية، ولا مبدأ، ولا ثقافة. أدواتهم هاتف محمول وكاميرا متهالكة، وشهية مفتوحة للـ »البوز »، أما عقولهم ففارغة من كل مضمون كما قال الشاعر ملىء السنبابل تنحني تواضعا.  والفارغات رؤوسهن شوامخ، تحركها الرغبة الجامحة في « الشهرة بأي ثمن »، حتى لو كان ذلك الثمن هو شرف المهنة، أو سمعة الناس، أو أمن الوطن.
إننا لا نهاجم الصحافة، بل ندافع عنها. لا نحتقر القلم، بل نحميه من الأقلام الزائفة. لا نرفض النقد، بل نحتقر الابتزاز الإعلامي والانحطاط الأخلاقي.
أيها القارئ الواعي، لا تُخدع ببريق العناوين ولا صخب المواقع، فالصدق لا يحتاج صراخًا، والحقيقة لا تستجدي المتابعة.
افضحهم بسلاح الوعي، فالمعركة اليوم ليست بيننا وبينهم، بل بين مبدأ وخيانة، بين رسالة وصفقة.
اللهم البحر وماجو، ولا الصحافي وخماجو
فلأن تُقذف في لجّة الأمواج، أكرم من أن تُغرقك رائحة أقلامهم النتنة.